وقد ورد هذا الغرض في قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) ولمّا كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد، وكان العيش في أول الإسلام ضيقاً والمال قليلاً، فكان ذلك موجباً لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظنّا أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك، ولكن جاء على خلاف غرض النفس نظّم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الأنفاق الذي يحصل به الزكاة والنماء، وأيضاً لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق الأعمال على النفس، نظم به أمر الجود والإنفاق وهو اشق منه على النفس (٢) ؛ لأنّ الجهاد يتقوّم بالمال والنفس، بل لا يكون الجهاد بالنفس إلاّ بالجهاد بالمال أيضاً فهما متلازمان، فهو سبيل الله؛ لأنّ السبيل هو الطريق فسبيل الله الطريق إلى الله وإلى رحمة الله وثوابه (٣). وقد ((أظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة؛ ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات)) (٤) وقيل: المعنى ابذلوا أنفسكم في المجاهدة في سبيل الله، وسمي بذل النفس في سبيل الله إنفاقاً مجازاً واتساعاً كقول الشاعر (٥).
وأنفقت عمري في البطالة والعمى * * * فلم يبق لي عمر ولم يبق لي أجر
٢- الذكر للإحاطة الشمول

(١). البقرة: ١٩٥.
(٢). ينظر: نظم الدرر: ٣/١١٩.
(٣). ينظر: مجمع البيان: ٢/٢٨٩، ومواهب الرحمن: ٣/١٤٣.
(٤). نظم الدرر: ٣/١٢٠.
(٥). ينظر: نظم الدرر: ٣/١٢٠.


الصفحة التالية
Icon