والآية الكريمة ترسم لنا صورة من صور أغراض الذكر في قوله تعالى: ﴿... وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) فالمعنى النص لمّا كان السبب المقتضي لاستمرار الكفر عادة هؤلاء الكفار في التكذيب بك وبما أنزل إليك، كعادة آل فرعون في التكذيب برسلهم، ولمّا كان التكذيب موجباً للعقوبة ((أظهر الاسم الشريف تنبيهاً على باهر العظمة)) (٢) فإنّ الله سبحانه وتعالى سوف يعاقبهم بذنوبهم، سمّيت المعاقبة مؤاخذة لأنّها أخذ بالذنب، فالأخذ بالذنب عقوبة، وأظهر الاسم الشريف ولم يضمر للتنبيه على زيادة العظمة في عذابهم لمزيد اجترائهم (٣).
٨- الذكر للإطلاق عن التقييد
وعلّق البقاعي على هذا الغرض في قوله تعالى: ﴿... وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٤) ولما جرى وعد الجنان على اسم الربوبية الناظر إلى الإحسان، وكان ما وعدّ الله المؤمنين شاملاً لجميعهم، وربما ظنّ أنهم متساوون فأظهر الاسم الشريف، يقول البقاعي: ((مظهراً في موضع الإضمار إشارة إلى الإطلاق عن التقييد بحيثيته)) (٥) أي أنهم يستحقونها على حسب الإخلاص وبغير ذلك من أعمالهم، وأقوالهم وسائر أفعالهم.
إن أسلوب الذكر في القرآن الكريم من الأساليب التي تحتاج إلى دراية كبيرة بلغة العرب من نحوٍ وصرف وبلاغة ودلالة، وهذا ما جمعه الشيخ البقاعي، فقد كان علمه واسعاً في اللغة من مختلف جوانبها، وقد وقف على أسلوب الذكر بشكل متميز، وأظهر كثيراً من المواقع التي أظهر فيها اللفظ وكان حقّه الإضمار، إلى جانب تطرقه إلى الكثير من الأغراض الدلالية التي يخرج إليها أسلوب الذكر معتمداً على السياق في بيان هذه الأغراض.
(٢). نظم الدرر: ٤/٢٦٠.
(٣). ينظر: نظم الدرر: ٤/٢٦٠ـ٢٦١.
(٤). آل عمران: ١٥.
(٥). نظم الدرر: ٤/٢٧٨.