وكذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ...﴾ (١) أشار البقاع إلى سبب نزول النص القرآني، إذ قال: ((نزلت في عمار بن ياسر(رض)، أكرهوه فتابعهم وهو كاره، فأخبر النبي(ص) بأنّه كفر، فقال النبي(ص): كلاّ إن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بحلمه ودمه، فأتى رسول الله(ص) وهو يبكي فجعل رسول الله(ص) يمسح عينيه ويقول إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت)) (٢) وقد اتفق أكثر المفسرين على أنها نزلت في عمار بن ياسر(رض)، قال الطبري: ((حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم عن جهين عن أبي مالك، قال: نزلت في عمار بن ياسر)) (٣) وقال أيضاً: ((حدّثنا بشر قال: ثنا بزيد، قال: ثنا سعيد عن قتاد، قال: ذكر لنا أنّها نزلت في عمار بن ياسر)) (٤) لقد بلغ المفسرون ذروة التحقيق العلمي حين أوجبوا بذكر سبب النزول حين يكون وجه المناسبة متوقفاً على معرفة الأسباب، فلولا التحقق من سببها لتعذر على القاري الاعتيادي التماس وجه تناسبها مع السياق القرآني. (٥)
وعلى وفق ما تقدم يمكننا القول: إنّ الشيخ البقاعي اتبع خطى الأوائل لأصل التفسير من العلماء الذين تلقوا النص القرآني واستوعبوا مراميه ومقاصده من خلال معرفتهم بطرق التنزيل ومناسباته وبيان أحكامه ونصوصه. (٦)

(١). النحل: ١٠٦.
(٢). نظم الدرر: ١١/٢٥٩، وللمزيد من الأمثلة ينظر: ٢/٢٦٤، ٥/٢٤٢، ٨/٣٣٧.
(٣). جامع البيان: ١٤/١٨٢.
(٤). جامع البيان: ٤/١٨٢.
(٥). مباحث في علوم القرآن: ١٥٠.
(٦). ينظر: السياق في الفكر اللغوي عند العرب.


الصفحة التالية
Icon