وهذا مذهبُ الأخفش: يُجيز أَنْ تكونَ الكافُ اسماً مطلقاً. وأمّا مذهب سيبويه فلا يُجيز ذلك إلا في شعر، وأمَّا تنظيرُه بالبيتِ فليس كما قال، لأنَّا في البيت نضطُّر إلى جَعْلِها اسماً لكونِها فاعلةً، بخلاف الآية. والذي ينبغي أن يقال: إنَّ كافَ التشبيه لها ثلاثةُ أحوال: حالٌ يتعيَّن فيها أَنْ تكونَ اسماً، وهي ما إذا كانت فاعلةً أو مجرورةً بحرفٍ أو إضافةٍ. مثالُ الفاعل: "أتنتهون ولن يَنْهى" البيت، ومثالُ جَرِّها بحرفٍ قولُ امرئ القيس:
٢٠٨- وَرُحْنا بكابْنِ الماء يُجْنَبُ وَسْطَنا * تَصَوَّبُ فيه العينُ طوراً وتَرْتقي
وقولُه:
٢٠٩- وَزَعْتُ بكالهَراوةِ أَعْوَجِيٍّ * إذا جَرَت الرياحُ لها وِثابا
ومثالُ جَرِّها بالإضافة قولُه:
٢١٠- فَصُيِّروا مثلَ كعَصْفٍ مأكولْ *..........................
وحالٌ يتعيَّن أن تكونَ فيها حرفاًَ، وهي: الواقعةُ صلةً، نحو: جاء الذي كزيدٍٍ، لأنَّ جَعْلَها اسماً يستلزمُ حَذْفَ عائدِ مبتدأٍ من غير طولِ الصلةِ، وهو ممتنعٌ عند البصريين، وحالٌ يجوز فيها الأمران وهي ما عدا ذلك نحو: زيد كعمرو. وأَبْعَدُ مَنْ زعم أنها زائدةٌ في الآية الكريمة، أي: مَثَلُهم مثلُ الذي، ونظَّره بقوله: "فَصُيِّروا مثل كعصف" كأنه جعل المِثْل والمَثَل بمعنى واحدٍ، والوجهُ أَنَّ المَثَلَ هنا بمعنى القصةِ، والتقديرُ: صفتُهم وقصتُهم كقصةِ المستوقِدِ فليست زائدةً على هذا التأويلِ، ولكن المَثَلَ بالفتح في الأصل بمعنى مِثْل ومثيل نحو: شِبْه وشَبَه وشَبيه. وقيل: بل هي في الأصل الصفةُ، وأمَّا المَثَل في قوله: "ضَرَب مَثَلاً" فهو القولُ السائرُ الذي فيه غَرابةٌ من بعضِ الوجوهِ، ولذلك حُوفظ على لفظِه فلم يُغَيَّرْ، فيقال لكلِّ مَنْ فَرَّط في أمرٍ عِسِرْ تَدارُكُه: "الصيفَ ضَيّعْتِ اللبنَ"، سواءٌ أكانم المخاطب به مفرداً ام مثَنَّى أم مجموعاً أم مذكراً أم مؤنثاً، ليدلَّ على قَصْدٍ عليه.
(١/١١٢)
---