فَفَصَلَ بين القسمِ وهو قولُهُ: "لَعَمْرُك" وبين جوابِهِ وهو قولُهُ: "لقد بالَيْت" بجملتين، إحداهما: "والخطوبُ مغيِّرات" والثانيةُ: "وفي طولِ المعاشرةِ التقالي" [قولُه:] "مِن السماءِ" يَحْتمل وجهينِ، أحدُهما أَن يكونَ متعلقاً بـ "صَيِّب" لأنه يعملُ عملَ الفعلِ، التقديرُ: كمطرٍ يصوبُ من السماء، و "مِنْ" لابتداء الغاية. والثاني: أن يكونَ في محلِّ جر صفةً لصيِّب، فيتعلَّقَ بمحذوف، وتكونُ "مِنْ" للتبعيض، ولا بُدَّ حينئذٍ من حذفِ مضافٍ، تقديرهُ: كصيِّب كائنٍ من أمطارِ السماءِ.
والسماءُ: كلُّ ما عَلاَك من سقف ونحوه، مشتقةٌ من السُّمُوِّ، وهو الارتفاعُ والأصل: سَماوٌ، ونما قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لوقوعِها طرفاً بعد ألفٍ زائدةٍ، وهو بدلٌ مطَّرد، نحو: كِساء ورِدَاء، بخلافِ نحو: سِقاية وشَقاوة، لعدم تطرُّفِ حرفِ العلة، ولذلك لَمَّا دَخلت عليها تاءُ التأنيث صَحَّتْ نحو: سَماوة، قال الشاعر:
٢٣٠- طيَّ الليالي زُلَفاً فَزُلَفَا * سَماوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفَا
والسماءُ مؤنث، وقد تُذَكَّر، وأنشدوا:
٢٣١- فلو رَفَعَ السماءُ إليه قوماً * لَحِقْنَا بالسماءِ مَعَ السحابِ
فأعاد الضميرَ مِنْ قوله: "إليه" على السماءِ مذكَّراً، ويُجْمع على سَماوات وأَسْمِيَة وسُمِيَّ، والأصل: فُعول، إلا أنه أُعِلَّ إعلالَ عُصِيّ بقلب الواوين يائين وهو قلبٌ مطَّرد في الجمع، ويَقِلُّ في المفرد نحو: عتا عُتِيَّا، كما شَذَّ التصحيحُ في الجمع، قالوا: "إنكم تنظرون في نُحُوٍّ كثيرةٍ"، وجُمِعَ أيضاً على سَمَاء، ولكن مفردَه سَماوة، فيكونُ من باب تَمْرة وتمر، ويدلُّ على ذلك قولُه:
٢٣٢-................................ *............. فوق سَبْعِ سَمَائِيا
ووجهُ الدلالة أنه مُيِّزَ به "سبع"، ولا تُمَيَّز هي وأخواتُها إلا بجمعٍ مجرور.
(١/١٢٣)
---


الصفحة التالية
Icon