لأنها لمقاربةِ الفعلِ، و "أَنْ" تُخَلِّصُ للاستقبال، فَتَنَافَا. واعلم أنَّ خَبَرَها - إذا كانَتْ- هي مثبتةً- منفيٌّ في المعنى لأنها للمقاربة، فإذا قلت: "كاد زيدٌ يفعلُ" كان معناه فارَبَ الفعلَ، إلا أنه لم يَفْعَل، فإذا نُفِيَتْ انتفَى خبرُها بطريقِ الأَوْلى، لأنه إذا انْتَفَتْ مقاربةُ الفعل / انتفى هو من باب أَوْلَى ولهذا كانَ قَولُه تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أبلغَ مِنْ أَنْ لو قيل: لم يَرَها، لأنه لم يقارِبِ الرؤيةَ فكيف له بها؟ وزعم جماعةٌ منهم ابن جني وأبو البقاء وابنُ عطية أنَّ نفيَها إثباتُ وإثباتَها نفيٌ، حتى أَلْغَزَ بعضُهم فيها فقال:
٢٤٣- أَنَحْوِيَّ هذا العصرِ ما هي لفظةٌ * جَرَتْ في لِسانِيْ جُرْهُمٍ وَثَمُودِ
إذا نُفِيَتْ - والله أعلم - أُثْبِتَتْ * وإنْ أُثْبِتَتْ قامِتْ مَقَامَ جُحُودِ
وَحَكَوْا عن ذي الرمة أنه لمَّا أَنْشَدَ قولَه:
٢٤٤- إذا غَيَّر النأيُ المحِبِّينَ لم يَكَدْ * رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
عِيْبَ عليه لأنه قال: لَمْ يَكَدْ يَبْرَحُ فيكون قد بَرِحَ، فغيَّره إلى قوله: "لم يَزَلْ" أو ما هو بمعناه، والذي غَرَّ هؤلاء قولُهُ تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ قالوا: فهي هنا منفيَّةٌ وخبرُها مُثْبَتٌ في المعنى، لأن الذبْحَ وقع لقوله: "فَذَبَحُوها". والجوابُ عن هذهِ الآية من وَجْهَين، أحدُهما: أنه يُحْمَلُ على اختلافِ وَقْتَيْنِ، أي: ذَبَحُوهَا في وقتٍ، وما كادوا يفعلونَ في وقتٍ آخرَ، والثاني: أنه عَبَّر بنفيِ مقاربةِ الفعل عن شِدَّةِ تعنُّتِهِم وعُسْرِهِم في الفعلِ.
وأمَّا ما حَكَوْهُ عن ذي الرُّمَّة فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرُّمة في رجوعِهِ عن قولِهِ، وقالوا: هو أَبْلَغُ وأحسنُ مِمَّا غَيَّره إليه.
(١/١٢٩)
---