و "فيه" متعلَّق بمَشَوا، و "في" على بابها أي: إنه محيطٌ بهم: وقيل: هي بمعنى الباء، ولا بدَّ من حذف على القَوْلين، أي: مَشَوا في ضوئِه أي بضوئِه، ولا محلَّ لجملةِ قولِهِ "مَشَوا" لأنها مستأنفةٌ.
واعلم أنَّ "كُلاًّ" من ألفاظِ العموم، وهو اسمُ جمعٍ لازمٌ بلإضافة، وقد يُحْذَفُ ما يضاف إليه، وهل تنوينُه حينئذٍ تنوينُ عوضٍ أو تنوينُ صَرْفٍ؟ قولان. والمضافُ إليه "كل" إن كانَ معرفةً وحُذِفَ بقيتْ على تعريفها، فلهذا انتصَبَ عنها الحالُ، ولا يَدْخُلها الألفُ واللامُ، وإن وقع ذلك في عبارةِ بعضِهم، وربما انتصَبَتْ حالاً، وأصلُها أن تُسْتَعْمَل توكيداً كأجمعَ، والأحسنُ استعمالُها مبتدأً، وليس كونُها مفعولاً مقصوراً على السماعِ، ولا مختصاً بالشعر خلافاً لزاعم ذلك. وإذا أُضيفت إلى نكرةٍ أو معرفةٍ بلامِ الجنسِ حَسُنَ أن تَلِي العواملَ اللفظيةَ، وإذا أُضيفت إلى نكرةٍ تعيُّنَ اعتبارُ تلك النكرة فيما لها من ضميرٍ وغيره، تقول: كلُّ رجال أتَوْكَ فأكرِمْهم، ولا يجوزُ أن يُراعَى لفظ "كل" فتقول: كلُّ رجال أتاكَ فأكرِمْهم، اعتباراً بالمعنى، فأما قوله:
٢٤٨- جادَتْ عليه كلُّ عَيْن ثَرَّةٍ * فتركْنَ كلَّ حدَيقةٍ كالدرهم
فراعى المعنى فهو شاذٌّ لا يُقاس عليه، وإذا أُضيفَتْ إلى معرفةٍ فوجهانِ، سواءً كانت الإضافة لفظاً نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ فراعى لفظَ كل، أو معنىً نحو: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ فراعى لفظَها، وقال: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ فارعى المعنى، وقولُ بعضهم: "إن "كُلَّما" تفيدُ التكرارَ، ليس ذلك من وَضْعها، فإنك إذا قُلْتَ: "كلما جِئْتَنِي أَكْرَمْتُك" كان المعنى: أُكْرِمُكَ في كلِّ فردٍ فردٍ من جَيئاتِكَ إليَّ.
(١/١٣٢)
---