والثاني: أن يكونَ مصدراً مَنْصُوباً على المفعولِ مِنْ أجلِه، وفيه شروطُ النصبِ موجودةٌ. وإنما نَكَّر "ماء" و "رزقاً" ليفيدَ التبعيضَ، لأنَّ المعنى: وأنزل من السماءِ بعض ماءٍ فَاَخْرَجَ به بعضَ الثمراتِ بعضَ رزقٍ لكم، إذ ليس جميعُ رزقِهم هو بعضَ الثمراتِ، إنَّما ذلك بعضُ رزقِهم.
وأجاز أبو البقاء أن يكونَ "من الثمراتِ" حالاً مِنْ "رزقاً" لأنه لو تأخَّر لكان نعتاً، فعلى هذا يتعلَّقُ بمحذوفٍ، وجعلَ الزمخشري "من الثمرات" واقعاً موقعَ الثمر أو الثمار، مَمَّا نابَ جمعُ قلةٍ عن جمعِ الكثرة، نحو: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ﴾ ﴿ثَلاَثَةَ قُرُواءٍ﴾ ولا حاجةَ تدعو إلى هذا لأنَّ جَمْعَ السلامةِ المحلَّى بأَلْ التي للعمومِ يقعُ للكثرةِ، فلا فرقَ إذاً بين الثمراتِ والثمار، ولذلكَ ردَّ المحققونَ قولَ مَنْ ردَّ على حسان بن ثابت رضي الله عنه:
٢٦٥- لَنَا الجَنَفَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ في الضُّحى * وأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدةٍ دَما
قالوا: كان ينبغي أن يقولَ: الجِفان: وسيوفُنا، لأنه أمدحُ، وليس بصحيحٍ لما ذَكَرْتُ لك.
و "لكم" يَحْتملُ التعلُّقَ بـ "أَخْرَج"، ويَحْتملُ التعلُّقَ بمحذوفٍ، على أن يكونَ صفةً لـ "رِزْقاً"، هذا إنْ أريد بالرزقِ المرزوقِ، وإنْ أُريد به المصدرُ فيحتملُ أن تكونَ الكافُ في "لكم" مفعولاً بالمصدرِ واللامُ مقويةً له، نحو: "ضربت ابني تأديباً له" أي: تأديبَه.
(١/١٤٤)
---