(١/١٤٨)
---
تكريرَ نزولِ مَلَكٍ رسولٍ على تقديرِ كونِ ملائكةٍ في الأرض.
وفي قوله: "نَزَّلْنا" التفاتٌ من الغَيْبةِ إلى التكلُّمِ لأنَّ قبلَه: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾، فلو جاء الكلامُ عليه لقيل: ممَّا نَزَّلَ على عبدِه، ولكنه التفت للتفخيمِ. و "على عبدنا" متعلِّقٌ بنزَّلنا، وعُدِّي بـ "على" لإفادتها الاستعلاءَ، كأنَّ المُنَزَّل تَمَكَّنَ من المنزولِ عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثرُ القرآن بالتعدِّي بها، دونَ "إلى"، فإنها تفيدُ الانتهاء والوصولَ فقط، والإضافة في "عبدِنا" تفيدُ التشريف كقوله:
٢٧١- يا قومِ قلبي عندَ زهْراءِ * يَعْرِفُه السامعُ والرائي
لا تَدْعُني إلاَّ بيا عبدَها * فإنه أَشْرَفُ أسمائي
وقُرئ: "عبادِنا"، فقيل: المرادُ النبيُّ عليه السلام وأمته، لأنَّ جَدْوَى المنزَّلِ حاصلٌ لهم. وقيل: المرادُ بهم جميعُ الأنبياءِ عليهم السلام.
قوله تعالى: "فَأْتُواْ" جوابُ الشرط، والفاءُ هنا واجبةٌ لأنَّ ما بعدها لا يَصِحُّ أن يكونَ شرطاً بنفسِه، وأصلُ فأْتُوا: اإْتِيُوا مثل: اضْربوا فالهمزة الأولى همزةُ وصلٍ أُتي بها للابتداءِ بالساكنِ، والثانيةُ فاءُ الكلمةِ، اجتمع همزتان، وَجَبَ قَلْبُ ثانيهما ياءً على حدِّ "إيمان" وبابِه، واستُثْقِلَتِ الضمةُ على الياءِ التي هي لامُ الكلمةِ فَقُدِّرَتْ، وضُمَّتِ التاءُ للتجانُسِ فوزنُ ايتوا: افْعُوا، وهذه الهمزةُ إنما يُحتاجُ إليها ابتداءً، أمَّا في الدَّرْجِ فإنه يُسْتَغْنى عنها وتعودُ الهمزةُ التي هي فاء الكلمةِ لأنها إنما قُلِبَت ياءً للكسر الذي كان قبلها، وقد زال نحو: "فَأْتوا" وبابِه وقد تُحْذَفُ الهمزةُ التي هي فاءُ الكلمةِ في الأمرِ كقوله:
٢٧٢- فإنْ نحنُ نَنْهَضْ لكم فَنَبُرَّكُمْ * فَتُونا فعادُونا إذاً بالجرائمِ
يريد: فَأتْونا كقوله: فَأْتوا. وبسورة متعلق بـ أتوا".
(١/١٤٩)
---