قوله تعالى :﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ في الهاء ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها تعودُ على ما نزَّلنا، فيكون مِنْ مثله صفةً لسورة، ويتعلّقُ بمحذوفٍ على ما تقرَّر، أي : بسوةٍ كائنةٍ من مثلِ المنزَّل في فصاحتِه وإخبارِه بالغُيوبِ وغيرِ ذلك، ويكونُ معنى "مِنْ" التبعيضَ، وأجاز ابن عطية والمهدوي أن تكون للبيان، وأجازاهما وأبو البقاء أن تكون زائدةً، ولا تجيء إلا على قول الأخفش. الثاني : أنها تعودُ على "عبدِنا" فيتعلَّقُ "من مثله" بأْتُوا، ويكون من "مِنْ" ابتداءَ الغاية، ويجوز على هذا الوجه أيضاً أن تكونَ صفةً لسورة، أي : بسورةٍ كائنة من رجلٍ مثلِ عبدِنا. الثالث : قال أبو البقاء :"إنها تعود على الأنداد بلفظِ المفرد كقوله :﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ قلت : ولا حاجةَ تَدْعو إلى ذلك، والمعنى يَأباه أيضاً.
والسُّورة: الدرجةُ الرفيعة، قال النابغة:
٢٧٣- ألم ترَ أنَّ الله أعطاكَ سُورةً * ترى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ
وسُمِّيَتْ سورةُ القرآنِ بذلك لأنَّ صاحبَها يَشْرُفُ بها وتَرْفَعُه. وقيل: اشتقاقُها وهو البَقِيَّة، ومنه "أَسْأَروا في الإناء" قال الأعشى:
٢٧٤- فبانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفؤا * دِ صَدْعاً على نَأَيِها مُسْطيرا
أي: أَبْقَتْ، ويَدُلُّ على ذلك أنَّ تميماً وغيرَها يهمزون فيقولون: سُؤْرة بالهمز، وسُمِّيت سورةُ القرآن بذلك لأنها قطعةٌ منه، وهي على هذا مخففةٌ من الهمزة، وقيل: اشتقاقُها من سُورِ البِناءِ لأنها تُحيط بقارئها وتحفظُه كسُورِ المدينة، ولكنَّ جَمْعَ سُورةِ القرآن سُوَر بفتح الواو، وجَمْعَ سُورةِ البِناء سُوْر بسكونِها فَفرَّقوا بينها في الجمعِ.
(١/١٥٠)
---