قوله تعالى: ﴿وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم﴾ هذه جملةُ أمرٍ معطوفةٌ على الأمر قبلها، فهي في محلِّ جَزْم أيضاً. ووزنُ ادْعُوا: افْعُوا لأن لام الكلمةِ محذوفٌ دلالةً على السكونِ في الأمر/ الذي هو جَزْم في المضارع، والواوُ ضميرُ الفاعِلِين و "شهداءَكم" مفعولٌ به جمعُ شهيد كظريف، وقيل: بل جمعُ شاهد كشاعر والأولُ أَوْلى لاطِّراد فُعَلاء في فَعِيل دونَ فاعلِ والشهادةُ: الحضور.
و ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بادْعُوا، أي: ادْعُوا مِنْ دونِ الله شهداءكم، فلا تستشهدوا بالله، فكأنه قال: وادعُوا من غير الله مَنْ يشهَدْ لكم، ويُحتمل أَنْ يَتَعَلَّقَ بـ "شهداءَكم"، والمعنى: ادعُوا مَن اتخذتموه آلهةً مِنْ دونِ الله وَزَعَمْتُم أنهم يَشْهدون لكم بصحةِ عبادتِكم إياهم، أو أعوانكم مِنْ دون أولياء الله، أي الذين تستعينون بهم دونَ الله. او يكونُ معنى "مِنْ دونِ الله" بين يدي الله كقوله:
٢٧٥- تُريك القَذَى مِنْ دونِها وهي دونَه * لوجهِ أخيها في الإناءِ قُطُوبُ
أي: تريكَ القذى قُدَّامها وهي قُدَّامة لرقتِها وصفائها.
واختار أبو البقاء أن يكون ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ حالاً من "شهدائكم"، والعاملُ فيه محذوفٌ، قال: "تقديرُه: شهداءَكم منفردين عنِ الله أو عن أنصارِ الله".
و "دونَ" مْنِ ظروف الأمكنة، ولا تَتَصَرَّف على المشهورِ إلا بالجرِّ بـ "مِنْ"، وزعم الأخفش أنها متصرَّفة، وجَعَل من ذلك قولَه تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ قال: "دونَ" مبتدأ، و "منَّا" خبرُه، وإنما بُني لإضافتِه إلى مبني، وقد شَذَّ رفعُه خبراً في قولِ الشاعر:
٢٧٦- الم تَرَ أنِّي قد حَمَيْتُ حقيقتي * وباشَرْتُ حدَّ الموتِ والموتُ دونُها
وهو من الأسماءِ اللازمةِ للإضافةِ لفظاً ومعنىً. وأمّا "دون" التي بمعنى رديء فتلك صفةٌ كسائرِ الصفات، تقول: هذا ثوبٌ دونٌ، ورأيت ثوباً دوناً، أي: رديئاً، وليستْ ممَّا نجن فيه.
(١/١٥١)
---