قولُه تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ﴾: هذه الجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، عَطَفَ جملةَ ثوابِ المؤمنين على جملةِ عقابِ الكافرين، وجاز ذلك لأنَّ مذهبَ سيبويه -وهو الصحيح- أنه لا يُشْتَرَطُ في عطفِ الجملِ التوافُقُ معنىً، بل تعْطَفُ الطلبيةُ على الخبريةِ وبالعكس، بدليلِ قولِهِ:
٢٨٥- تُناغي غَزالاً عند بابِ ابنِ عامرٍ * وَكَحِّلْ أكاقِيكَ الحسانَ بإثْمِدِ
وقول امرئ القيس:
٢٨٦- وإنَّ شفائي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ * وهل عند رَسْمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكونَ عطفاً على "فاتقوا" ليَعْطِفَ أمراً على أمر. وهذا قد رَدَّهُ الشيخ بأنَّ "فاتَّقُوا" جوابُ الشرط، فالمعطوفُ يكون جواباً لأنَّ حكمَه حكمُه، ولكنه لا يَصِحُّ لأنَّ تبشيرَه للمؤمنين لا يترتَّبُ على قولِهِ: فإنْ لَمْ تَفْعَلوا.
وقرئ: "وبُشِّرَ" ماضياً كبنياً للمفعولِ. وقال الزمخشري: "وهو عطف على أُعِدَّت". قيل: "وهذا لا يتأتَّى على إعرابِ "أُعِدَّتْ" حالاً لأنها لا تَصْلُحُ للحاليَّةِ".
والبِشارةُ: أولُ خبرٍ من خيرٍ أو شرٍّ، قالوا: لأنَّ أثرَها يَظْهَرُ في البَشَرة وهي ظاهِرُ جلدِ الإنسان، وأنشدوا:
٢٨٧- يُبَشِّرُنِي الغُرابُ بِبَيْنِ أهلي * فقُلْتُ له: ثَكِلْتُكَ مِنْ بشيرِ
وقال آخر:
٢٨٨- وبَشَّرْتَنِي يا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي * جَفَوْنِي وأنَّ الوُدَّ موعدُهُ الحَشْرُ
(١/١٥٧)
---