وهذا رأي سيبويه، إلا أن الأكثرَ استعمالُها في الخير، وإن اسْتُعْمِلَتْ في الشرِّ فبقَيْدٍ، كقولِهِ تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ﴾ وإن أُطْلِقَتْ كانت للخير، وظاهرُ كلامِ الزمخشري أنها تختصُّ بالخَيْرِ، لأنه تأوَّلَ مثلَ: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ﴾ على العكسِ في الكلامِ الذي يُقْصَدُ به الزيادةُ في غَيْظِ المُسْتَهْزَأ به وتألُّمِهِ. والفعلُ منها: بَشَرَ وبَشَّر مخففاً ومثقلاً، كقولَه: "بَشَرْتُ عيالي" البيت، والتثقيلُ للتكثيرِ بالنسبة إلى المُبَشِّرِ به. وقد قرئ المضارعُ مخففاً ومشدداً، وأمَّا الماضي فَلَمْ يُقْرَأْ به إلا مثقَّلاً نحو: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ وفيه لغةٌ أخرى: أَبْشَرَ مثل أَكْرَمَ، وأنكر أبو حاتم التخفيفَ، وليس بصوابٍ لمجيء مضارعِهِ. وبمعنى البِشارة: البُشور والتَبْشير والإبْشَار، وإن اختَلَفَتْ أفعالُها، والبِشَارَةُ أيضاً الجَمالُ، والبَشير: الجميلُ، وتباشير الفجرِ أوائلُهُ.
[وقرأ زيدٌ بنُ علي -رضي الله عنهما- "وبُشِّرَ": ماضياً مبنياً للمفعول قال الزمخشري: "عطفاً على "أُعِدَّت" انتهى. وهو غلط لأن المعطوف عليه [مِن] الصلة، ولا راجعَ على الموصولِ من هذه الجملةِ فلا يَصِحُّ أن يكونَ عطفاً على أُعِدَِّت].
وفاعلُ "بَشِّرْ": إمَّا ضميرُ الرسولِ عليه السلام، وهو الواضحُ، وإمَّا كلُّ مَنْ تَصِحُّ منه البشارةُ. وكونُ صلةِ "الذين" فعلاً ماضياً دونَ دونِهِ اسمَ فاعلٍ دليلٌ على أَنْ يستحقَّ التبشيرَ بفضلِ الله مَنْ وَقَعَ منه الإيمانُ وتَحَقَّقَ به وبالأعمالِ الصالحةِ.
والصالحاتُ جمعُ صالحة وهي من الصفاتِ التي جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ في إيلائِها العواملَ، قال:
٢٨٩- كيفَ الهجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ * مِنْ آلِ لأَْمٍ بظهرِ الغَيْبِ تَأتِينِي
وعلامةُ نصبِه الكسرةُ لأنه من بابِ جَمْعِ المؤنث السالم ميابةً عن الفتحةِ التي هي أصلُ النصبِ.
(١/١٥٨)
---


الصفحة التالية
Icon