قولُه تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ جناتٍ اسمُ أنَّ، و "لهم" خبرٌ مقدمٌ، ولا يجوز تقديمُ خبرِ "أنَّ" وأخواتِها إلا ظرفاً أو حرفَ جَرٍّ، وأنَّ وما في حَيِّزها في محلِّ جَرّ عند الخليل والكسائي ونصبٍ عند سيبويهِ والفراء، لأن الأصلَ": وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فحُذِفَ حرفُ الجر مع أَنَّ، وهو حَذْفٌ مُطَّردٌ معها ومع "أَنْ" الناصبة للمضارعِ، بشرط أمْنِ اللَّبْسِ، بسبب طولهما بالصلة، فلما حُذِفَ حرفُ الجرّ جرى الخلافُ المذكورُ، فالخليل والكسائي يقولان: كأنَّ الحرفَ موجودٌ فالجرُّ باقٍ، واستدلَّ الأخفشُ لهما بقولِ الشاعر:
٢٩٠- وما زُرْتُ ليلى أنْ تَكُونَ حبيبةً * إليَّ لا دَيْنٍ بها أنا طالِبُهْ
فَعَطْفُ "دَيْنٍ" بالجرِّ على محلِّ "أن تكون" يبيِّنُ كونَها مجرورةً، قيل: ويَحْتملُ أن يكونَ من بابِ عَطْفِ التوهُّم فلا دليلَ فيه. والفراء وسيبويه يقولانك وَجَدْناهم إذا حذفوا حرفَ الجر نَصَبُوا، كقولِهِ"
٢٩١- تَمُرُّونَ الديارَ وَلَمْ تَعُوجوا * كلامُكُمُ عليَّ إذاً حَرَامُ
أي، بالديار، ولا يجوزُ الجرُّ إلا في نادرِ شعرٍ، كقولِهِ:
٢٩٢- إذا قيلَ: أيُّ الناسِ شرُّ قبيلةٍ * أَشَارتْ كليبٍ بالأَكفِّ الأصابعُ
أي: إلى كُلَيْبٍ، وقولِ الآخر:
٢٩٣-........................ * حتى تَبَذَّخَ فارتقى الأَعْلامِ
أي: إلى الاعلام.
والجَنَّةُ: البُسْتَانُ، وقيل: الأرضُ ذاتُ الشجرِ، سُمِّيَتْ بذلك لسَتْرِها مَنْ فيها، ومنه: الجنين لاستتارِه، والمِجَنُّ: التُرْس، وكذلك "الجُنَّة" لأنه يَسْتُر صاحبَه، والجِنَّة لاستتارِهم عن أعينِ الناسِ.
(١/١٥٩)
---


الصفحة التالية
Icon