قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ هذه الجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ لأنها صفةٌ لجنَّات، و "تَجْرِي" مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِه ضمةٌ مقدرةٌ في الياءِ استثقالاً، وكذلك تُقَدَّرُ في كلِّ فعلٍ معتلٍّ نحو: يَدْعو ويَخْشَى إلاَّ أَنَّها في الألِفِ تُقَدَّرُ تعذُّراً.
والنهارُ جمع نَهْر بالفتح، وهي اللغة العالية، وفيه تسكينُ الهاءِ، ولكن "أَفْعال" لا ينقاسُ في فَعْل الساكنِ العينِ بل يُحْفظ نحو: أَفْراخ وأَزْنَاد وأَفراد.
والنهرُ دونَ البحرِ وفوقَ الجدولِ، وهل هو مجرى الماءِ أو الماءُ الجاري نفسُه؟ والأولُ أظهرُ، لأنه مشتقٌّ من نَهَرْت أي: وسَّعْتُ، قال قيس بن الخطيم يصفُ طعنةِ:
٢٩٤- مَلَكْتُ بها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها *.....................
أي وَسَّعْتُ، ومنه: النهارُ لاتساعِ ضوئِهِ، وإنَّما أُطْلِقَ على الماءِ مجازاً إطلاقاً للمحلِّ على الحالِّ.
و ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ متعلقٌ بتجري، و "تحت" مكانٌ لا يَتَصَرَّفُ، وهو نقيضُ "فوق"، إذا أُضيفا أُعْرِبَا، وإذا قُطِعَا بُنْيَا على الضم. و "مِنْ" لابتداءِ الغايةِ وقيل: زائدةٌ، وقيل: بمعنى في، وهما ضعيفان.
واعلمْ أنه إذا قيل بأنَّ الجَنَّة هي الأرضُ ذات الشجرِ فلا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ، أي: من تحتِ عَذْقِها أو أشجارِها. وإن قيل بأنها الشجرُ نفسَه فلا حاجةَ إلى ذلك. وإذا قيل بأنَّ الأنهارَ اسمٌ للماءِ الجاري فنسبةُ الجَرْيِ إليه حقيقةٌ. وإنْ قيلَ بأنه اسمٌ للأُخْدُودِ الذي يَجْرِي فيه فنسبةُ الجَرْي إليه مجازٌ كقول مهلهل:
٢٩٥- نُبِّئْتُ أنَّ النارَ بعدكَ أُوقِدَتْ * واسْتَبَّ بعدَك يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
(١/١٦٠)
---


الصفحة التالية
Icon