قال الشيخ: "وقد ناقضَ ابنُ عطيةَ كلامَهُ هنا فإنه قال: "والأنهار: المياهُ في مجارِيها المتطاولةِ الواسعةِ" ثم قال: "نَسَبَ الجَرْيَ إلى النهر، وإنما يَجري الماءُ وحدَه توسُّعاً وتجوُّزاً، كما قال تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وكما قال: نُبِّئْتُ أنَّ النار. البيت".
والألف واللامُ في "الأنهار" للجنس، وقيل: للعَهْدِ لِذِكْرِها في سورة القتال. وقال الزمخشري: "يجوزُ أَنْ تَكونَ عوضاً من الضمير كقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ أي: أنهارُها"، بمعنى أنَّ الأصلَ: واشتعلَ رأسي، فَعَوَّض "أل" عن ياء المتكلم، وهذا ليس مذهب البصريين، بل قال به بعض الكوفيين، وهو مردودٌ بأنه لو كانت "أل" عوضاً من الضمير لَما جُمع بينهما، وقد جُمع بينهما، قال النابغة:
٢٩٦- رَحِيبٌ قِطابُ الجَيْبِ منها رفيقةٌ * بجَسِّ النَّدامى بَضَّةُ المُتَجَرِّدِ
[فقال: الجيبِ منها]، وأمَّا ما وَرَدَ وظاهرُه ذلك فيتأتى تأويله في موضِعِه.
قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ﴾ تقدَّم الكلامُ في "كُلَّما"، والعاملُ فيها هنا: "قالوا"، و "منها" متعلِّق بـ "رُزِقوا"، و "مِنْ" لابتداء الغاية وكذلك "مِنْ ثمرةٍ" لأنها بَدَلٌ من قولِه "منها" بدَلُ اشتمالٍ بإعادةِ العاملِ، وإنما قُلْنَا بدلُ اشتمالٍ، لأنه لا يتعلَّقُ حرفان بمعنىً واحدٍ بعاملٍ واحدٍ إلا على سبيلِ البدليةِ أو العطفِ. وأجاز الزمخشري أن تكونَ "مِنْ" للبيانِ، كقولِك: رأيت منكَ أسداً. وفيه نظرٌ، لأنَّ مِنْ شرطِ ذلك أن يَحُلَّ مَحَلَّها موصولٌ وأن يكونَ ما قبلَها شيءٌ يَتَبَيَّنُ بها، وكونُها بياناً لِما بعدها بعيدٌ جداً وهو غيرُ المصطلح.
(١/١٦١)
---