واستعمالُه هنا في حقِّ اللهِ تعالى مجازٌ عن التَّرْكِ، وقيل: مجازٌ عن الخشيةِ لأنها أيضاً مِنْ ثمراتِه، وجَعَلَه الزمخشريُّ من باب المقابلة، يعني أنَّ الكفار لَمَّا قالوا: "أمَا يستحيي ربُّ محمدٍ أن يَضْرِبَ المَثَل بالمُحَقِّراتِ" قوبل قولُهم ذلك بقوله: "إنَّ الله لا يستحيي أن يضربَ"، ونظيرُه قول أبي تمام:
٣٠٣- مَنْ مُبَلِغٌ أفناءَ يَعْرُبَ كلَّها * أني بَنَيْتُ الجارَ قبلَ المَنْزِلِ
لو لم يَذْكُرْ بناءَ الدارِ لم يَصِحَّ بناءُ الجارِ.
واستحيى يتعدَّى تارةً بنفسِه وتارةً بحرفِ جرٍّ، تقول: اسْتَحْيَتْهُ، وعليه: "إذا ما اسْتَحَيْنَ الماءَ" البيت، واستَحْيَيْتُ منه، وعليه: "ألا نَسْتَحِي منا الملوكُ" البيت، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ قد تعدَّى في هذه الآية إلى "أَنْ يضربَ" بنفسِه فيكونَ في محلِّ نصبٍ قولاً واحداً، ويَحْتَمِل أن يكونَ تَعَدَّى إليه بحرفِ الجرِّ المحذوفِ، وحينئذٍ يَجْري الخلافُ المتقدمُ في قولِه "أنَّ لهم جناتٍ".
و "يَضْرِبَ" معناه: يُبَيِّنَ، فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو: "ضَرَبْتُ الطينَ لَبِناً"، وقال بعضُهم: "لا يتعدَّى لاثنين إلا مع المَثَل خاصة"، فعلى القول الأول يكونُ "مَثَلاً" مفعولاً و"ما" زائدةٌ، او صفةٌ للنكرة قبلَها لتزدادَ النكرةُ شِياعاً، ونظيرُه قولُهم: "لأمرٍ ما جَدَع قَصيرٌ أنفَه: وقولُ امرئ القيس:
٣٠٤- وحديثُ الرَّكْبِ يومَ هنا * وحديثٌ ما على قِصَرِهْ
(١/١٦٧)
---


الصفحة التالية
Icon