وقال أبو البقاء: "وقيل "ما" نكرةٌ موصوفةٌ"، ولم يَجْعَلْ "بعوضة" صفتَها بل جَعَلَها بدلاً منها، وفيه نظرٌ، إذ يَحْتَاجُ أن يُقَدَِّر صفةً صفةً محذوفةً ولا ضرورةَ إلى ذلك فكان الأَوْلى أن يَجْعَلَ "بعوضةً" صفتَها بمعنى أنه وَصَفَها بالجنسِ المُنَكَّرِ لإبهامِه فهي في معنى "قليل"، وإليه ذهب الفراء والزَّجاج وثعلب، وتكون "ما" وصفتُها حينئذ بدلاً من "مثلاً"، و "بعوضةً" بدلاً من "ما" أو عطفَ بيان لها إنْ قيلَ إنَّ "ما" صفة لـ "مثلاً"، و "بعوضةً" بدلاً من "ما" أو عطففَ بيان لها إنْ قيلَ إنَّ "ما" صفةٌ لـ "مثلاً"، أو نعتٌ لـ "ما" إنْ قيل: إنها بدلٌ من "مثلاً" كما تقدَّمَ في قولِ الفراء، وبدلٌ من "مثلاً" أو عطفُ بيان له إنْ قيلَ: إنَّ "ما" زائدةٌ. وقيل: "بعوضة" هو المفعولُ و "مثلاً" نُصِبَ على الحال قُدِّم على النكرةِ. وقيل: نُصِبَ على إسقاطِ الخافضـ التقديرُ: ما بينَ بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ "بَيْنَ" أُعربت "بعوضةً" بإعرابها، وتكونُ الفاءُ في قولِه: "فما فوقها" بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها، ويُعْزى هذا للكسائي والفراء وغيرِهم من الكوفيين وأنشدوا:
٣٠٥- يا أحسنَ الناسِ ما قَرْناً إلى قَدَمٍ * ولا حبالَ مُحِبٍّ واصِلٍ تَصِلُ
أي: ما بينَ قَرْنٍ، وحَكَوا: "له عشرون ما ناقةً فَحَمْلاً"، وعلى القول الثاني يكونُ "مثلاً" مفعولاً أولَ، و "ما" تحتملُ الوجهين المتقدمين و "بعوضةً" مفعولٌ ثانِ، وقيل: بعوضةً هي المفعولُ الأولُ و "مَثَلاً" هو الثاني ولكنه قُدِّم.
(١/١٦٨)
---


الصفحة التالية
Icon