وتلخَّص مِمَّا تقدَّم انَّ في "ما" ثلاثةَ أوجه: زائدةٌ، صفةٌ لما قبلَها، نكرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في "مَثَلاً" ثلاثةً أيضاً مفعولٌ أولُ، مفعولٌ ثانِ، حالٌ مقدَّمةٌ، وأنَّ في "بعوضة" تسعة أوجهٍ. والصوابُ من ذلك كلّهِ أن يكونَ "ضَرَبَ" متعدياً لواحدٍ بمعنى بَيِّن، متعدياً بمعنى بَيَّن، و "مثَلاً" مفعولٌ به، بدليلِ قولِه: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ و "ما" صفةٌ للنكرة، و "بعوضةً" بدلٌ لا عطفُ بيان، لأن عطفَ البَيان ممنوعٌ عند جمهور البصريين في النكراتِ.
وقرأ ابن أبي عَبْلة والضحاك برفع "بعوضةٌ"، واتفقوا على أنها خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو "ما" على أنها استفهاميةٌ، أي: أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري ورجَّحه. وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه: هو بعوضةٌ، وفي ذلك وجهان، أحدُهما: أن تُجْعَلَ هذه الجملةُ صلةً لـ "ما" لكونِها بمعنى الذي، ولكنه حَذَفَ العائد وإن لم تَطُل الصلةُ، وهذا لا يجوزُ عند البصريين إلا في "أيّ" خاصةً لطولِها بالإضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٌّ أو ضرورةٌ، كقراءةِ: ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِيا أَحْسَنُ﴾ وقولِه:
٣٠٦- مَنْ يُعْنَ بالحَقِّ لا يَنْطِقْ بما سَفَهٌ * ولا يَحِدْ عن سبيلِ الحَمْدِ والكَرمِ
أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهٌ، وتكونُ "ما" على هذا بدلاً من "مثلاً"، كأنه قيل: مَثَلاً الذي هو بعوضةٌ. والثاني: ان تُجْعَلَ "ما" زائدةٌ أو صفةً وتكونَ "هو بعوضةٌ" جملةً كالمفسِّرة لِما انطوى عليه الكلامُ.
(١/١٦٩)
---