[والإرادةُ لغةً: طَلَبُ الشيءِ مع الميل إليه، وقد تتجرَّدُ للطلبِ، وهي التي تُنْسَبُ إلى اللهِ تعالى وعينُها واوٌ من رادَ يرودُ أي: طَلَب، فأصلُ أراد أَرْوَدَ مثل أَقام، والمصدرُ الإرادةُ مثلُ الإقامةِـ وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتْ وعُوِّضَ من محذوفِها تاءُ التأنيث].
قوله: "مَثَلاً" نصبٌ على التمييزِ، قيل: جاءَ على معنى التوكيدِ، لأنه من حيث أُشير إليه بـ "هذا" عُلِم أنه مثلٌ، فجاء التمييزُ بعده مؤكِّداً للاسم الذي أُشير إليه. وقيل: نصبٌ على الحال، واختُلِفَ في صاحِبها فقيل: اسمُ الإشارةِ، والعاملُ فيها معنى الإشارةِ، وقيل: اسمُ الله تعالى أَي متمثِّلاً بذلك، وقيل: على القَطْع وهو رأيُ الكوفيين، ومعناه عندهم: أنه كان أصلُه أَنْ يَتْبَعَ ما قبلَه والأصلُ: بهذا المثلِ، فلمَّا قُطِع عن التبعيةِ انتصبَ، وعلى ذلك قولُ امرئ القيس:
٣١٢- سَوامِقُ جَبَّارٍ أثيثٍ فُروعُهُ * وعَاليْنَ قِنْواناً من البُسْرِ أَحْمَرَا
أصله: من البسر الأحمر.
قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾ "الباء" للسببيةِ، وكذلك في ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ وهاتان الجملتان لا محلَّ لهما لأنهما كالبيانِ للجملتينِ المُصَدَّرَتَيْنِ بـ "أمَّا"، وهما من كلام الله تعالى، وقيل: في محلِّ نصب لأنهما صفتان لمَثَلاً، أي: مَثَلاً يُفَرِّقُ الناسَ به، إلى ضُلاَّلٍ ومُهْتدِين، وهما على هذا من كلامِ الكفار، وأجازَ أبو البقاء أن تكونَ حالاً من اسمِ الله أي: مُضِلاً به كثيراً وهادياً به كثيراً. وجَوَّزَ ابن عطية أن تكونَ جملةُ قولَه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾ من كلام الكفار، وجملةُ قوله: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ من كلام الباري تعالى. وهذا ليس بظاهرٍ، لأنه تقديراً إلى المثل، أي: بِضَرْب المَثَل، وقيل: الضمير الأول للتكذيبِ، والثاني للتصديق، ودلَّ على قُوَّةُ الكلام.
(١/١٧٤)
---