قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾: "كيف" اسمُ استفهامٍ يُسْأَلُ بِهِ عن الأحوالِ، وبُنِيَ لتمُّنِهِ معنى الهمزة، وبُنِيَ على أخفِّ الحركات، وشَذَّ دخولُ حرفِ الجرِّ عليها، قالوا: "على كيف تبيعُ الأَحْمَرَيْنِ"، وكونهُها شرطاً قليلٌ، ولا يُجْزَم بها خلافاً للكوفيين، وإذا أُبْدِل منها اسمٌ أو وَقَعَ جواباً لها فهو منصوبٌ إن كان بعدها فعلٌ متسلِّطٌ عليها نحو: كيف قمت؟ أصحيحاً أم سقيماً، وكيف سِرْت؟ فتقول: راشداً، وإلاَّ فرفوعان: نحو: كيف زيدٌ؟ أصحيحٌ أم سقيمٌ. وإنْ وقعَ بعدَها اسمٌ مسؤولٌ عنه بها فهو مبتدأٌ وهي خبرٌ مقدَّمٌ، نحو: كيف زيدٌ؟ وقد يُحْذَفُ الفعلُ بعدَها، قال تعالى :﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي كيف تُوالونهم. و "كيفَ" في هذه الآيةِ منصوبةٌ على التشبيهِ بالظرف عند سيبويه، أي: في أيِّ حالةٍ تكفُرون، وعلى الحالِ عند الأخفشِ، أي: على أي حالٍ تكفُرون، والعاملُ فيها على القولين "تكفرون" وصاحبُ الحالِ الضميرُ في تكفرون، ولم يَذْكر أبو البقاء غيرَ مذهبِ الأخفشِ، ثم قال: "والتقدير: معانِدين تكفرون. وفي هذا التقدير نظرٌ، إذ يذهبَ معه معنى الاستفهام المقصودِ به التعجبُ أو التوبيخُ أو الإنكارُ، قال الزمخشري بعد أَنْ جَعَلَ الاستفهامَ للإنكارِ: "وتحريرهُ أنه إذا أنْكَرَ أن يكونَ لكفرهم حالٌ يُوجَدُ عليها، وقد عُلِمَ أنَّ كلَّ موجودٍ لا بُدَّ له من حالٍ، ومُحالٌ أن يُوجَدَ بغيرِ صفةٍ من الصفاتِ كان إنكاراً لوجودِه على الطريق البرهاني".
وفي الكلام التفاتٌ من الغَيْبَةِ في قولِه: وأمَّا الذين كفروا إلى آخره، إلى الخطاب في قولِهِ: "تَكْفُرون، وكُنْتُم". وفائدتُهُ أنَّ الإنكارَ إذا توجَّه إلى المخاطبِ كان أبلغَ. وجاء "تكفرونَ" مضارعاً لا ماضياً لأنَّ المُنْكَرَ الدوامُ على الكفرِ، والمضارعُ هو المُشْعِرُ بذلك، ولئلا يكونَ ذلك تَوْبيخاً لمَنْ آمَنَ بعد كُفْر.