قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ هذه الجملة معمولُ القولِ، فهي في محلِّ نصبٍ به، وكُسِرت "إنَّ" هنا لوقوعِها بعد القولِ المجرَّدِ من معنى الظن محكيةً به، فإن كان بمعنى الظنِ جَرى فيها وجهان: الفتحُ والكسرُ، وأنشدوا:
٣٣٣- إذا قلتُ أني آيبٌ أهلَ بلدةٍ * نَزَعْتُ بها عنه الوليَّةَ بالهَجْر
وكان ينبغي أن يُفْتَح ليسَ نظراً لمعنى الظنِّ، لكن قد يقال جاز الكسر مراعاةً لصورةِ القولِ.
و "إنَّ" على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ يجب فيه كَسْرُها، وقسمٍ يجبُ فيه فَتْحُها وقسمٍ يجوز فيه وجهان، وليس هذا موضعَ تقريرِه، بل يأتي في غضون السور، ولكن الضابطَ الكلي في ذلك أنَّ كلَّ موضعٍ لم يَسُدَّ مسدَّها وَجَبَ فيه كَسْرُها كوقوعِها بعد القولِ ومبتدأةً وصلةً وحالاً، وكلَّ موضعٍ جازَ أن يَسُدَّ مسدَّها جاز الوجهان كوقوعِها بعد فاءِ الجزاء، وإذا الفجائية وهذه أشدُّ العباراتِ في هذا الضابطِ.
و "جاعلٌ" فيه قولان، أحدُهما أنه بمعنى خالق، فيكونُ "خليفةً" مفعولاً به، و "في الأرض" فيه حينئذ قولان، أحدُهما -وهو الواضح- أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من النكرةِ بعدَه. القولُ الثاني: أنه بمعنى مُصَيِّر، ولم يَذْكر الزمخشري غيرَه، فيكونُ خليفةً" هو المفعولَ الأولَ، و "في الأرض" هو الثانيَ قُدِّم عليه، ويتعلَّقُ بمحذوف على ما تقرَّر. و "خليفة" يجوز أن يكون بمعنى فاعل أي: يَخْلُفُكم أو يَخْلُف مَنْ كان قبلَه من الجنِّ، وهذا أصحُّ لدخولِ تاءِ التأنيث عليه وقيل: بمعنى مفعول أي: يَخْلُف كلُّ جيلٍ مَنْ تقدَّمَه، وليس دخولُ التاءِ حينئذٍ قياساً. إلا أن يُقال: "إنَّ "خليفةً" جَرى مجرى الجوامدِ كالنطيحة والذبيحة. وإنما وُحِّد "خليفة" وإن كانَ المرادُ الجمعَ لأنه أريدَ به آدمُ وذريتُه، ولكن استَغْنى بذكره كما يُسْتَغْنى بذكرِ أبي القبيلة نحو: مُضَر ورَبِيعة، وقيل: المعنى على الجنس.
وقرئ: "خليقةً" بالقاف.


الصفحة التالية
Icon