(١/١٨٨)
---
و "خليفةً" منصوبٌ بـ "جاعل" كما تقدَّم، لأنَّه اسمُ فاعل. واسمُ الفاعل يعملُ عَمَل فعلِه مطلقاً إن كان فيه الألفُ واللام، وبشرطِ الحالِ أو الاستقبال والاعتماد إذا لم يكونا فيه، ويجوز إضافتُه لمعمولِه تخفيفاً ما لَم يُفْصل بينهما كهذه الآية.
قوله: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ﴾ قد تقدَّم أن "قالوا" عامل في "إذ قال ربُّك" وأنه المختارُ، والهمزةُ في "أتجعل" للاستفهامِ على بابها، وقال الزمخشري: "للتعجب"، وقيل: للتقرير كقوله:
٣٣٤- ألستُمْ خيرَ مَنْ ركب المَطايا * وأنْدى العالمينَ بطونَ راحِ
وقال أبو البقاء: "للاستشهاد"، أي: أتجعلُ فيها مَنْ يُفْسِد كَمَنْ كان قبلُ" وهي عبارةٌ غريبةٌ. و "فيها" الأولى متعلقةٌ بـ "تَجْعَل" إن قيل: إنها بمعنى الخَلْق، و "مَنْ يُفْسِدُ" مفعولٌ به، وإنْ قيل إنَّها بمعنى التصيير فيكون "فيها" مفعولاص ثانياً قُدِّم على الأولِ لا مَحَلَّ للجملةِ بعدها من الإعراب، وعلى الثاني محلُّها النصب، و "فيها" الثانيةُ مُتَعلقةٌ بـ "يُفْسِدُ". و "يَسْفِكُ" عطفٌ على "يَفْسِدُ" بالاعتبارين.
والجمهورُ على رَفْعِهِ، وقُرئ منصوباً على جوابِ الاستفهام بعدَ الواو التي تقتضي الجمع بإضمار "أَنْ" كقوله:
٣٣٥- أَتَبيتُ رَيَّانَ الجفونِ من الكَرى * وأبيتَ منك بليلةِ المَلْسُوعِ
وقال ابن عطية: "منصوبٌ بواو الصَرْف" وهذه عبارةُ الكوفيين، ومعنى واوِ الصرفِ كان يقتضي إعراباً فصَرَفَتْه الواوُ عنه إلى النصب، والمشهورُ "يَسْفِك" بكسر الفاء، وقُرئ بضمِّها، وقرئ أيضاً بضمِّ حرفِ المضارعةِ من أَسْفك وقُرئ أيضاً مشدَّداً للتكثير.
والسَّفْكُ: هو الصَّبُّ، ولا يُستعمل إلا في الدمِ، وقال ابن فارس، والجوهري: "يُستعمل أيضاً في الدمع". وقال المَهدوي "ولا يُستعمل السقك إلا في الدَّمِ، وقد يُستعمل في نثرِ الكلامِ، يقال: سَفَكَ الكلامَ أي: نثره".
(١/١٨٩)
---