والعامِلُ فيها هنا "كُلا" أي: كُلا أيَّ مكانٍ شِئْتُم تَوْسِعَةً عليهما. وأجاز أبو البقاء أن تكونَ بدلاً من "الجنَّة"، قال: "لأنَّ الجنةَ مفعولٌ بها، فيكون "حيث" مفعولاً به" وفيه نظرٌ لأنها لا تتصرَّف كما تقدَّم إلا بالجرِّ بـ "مِنْ".
قوله: "شِئْتُمَا": الجملةُ في محلِّ خفضٍ بإضافةِ الظرفِ إليها. وهل الكسرةُ التي على الشين أصلٌ كقولِك: جِئْتُما وخِفْتُما، أو مُحَوَّلة من فتحة لتدلَّ على ذواتِ الياءِ نحو: بِعتما؟ قولان مبنيَّان على وزنِ شَاءَ ما هو؟ فمذهب المبرد أنه: فَعَل بفتحِ العينِ، ومذهبُ سيبويه فَعِل بكسرِها ولا يَخْفَى تصريفُهما.
قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ لا ناهيةٌ، و "تَقْرَبا" مجزومٌ بها حُذِفَتْ نونُه. وقُرئ: "تِقْرَبا" بكسر حرف المضارعة، والألفُ فاعلٌ، و "هذه" مفعولٌ به اسمُ إشارةِ المؤنث، وفيها لغاتٌ: هذي وهذهِ [وهذهِ] بكسرِ الهاءِ بإشباعٍ ودونِهِ وهذهْ بسكونِه، وذِهْ بكسر الذالِ فقط، والهاءُ بدلٌ من الياءِ لقُرْبِهَا منها في الخَفَاءِ. قال ابنُ عطية -ونُقِلَ أيضاً- عن النحاس- "وليس في الكلام هاءُ تأنيثٍ مكسورٌ ما قبلَها غيرُ "هذه". وفيه نظرٌ، لأن تلك الهاء التي تَدُلُّ على التانيث ليستْ هذه، لأن تيكَ بدلٌ من تاءِ التأنيث في الوقف، وأمَّا هذه الهاءُ فلا دلالةَ لها على التأنيثِ بل الدالُّ عليه مجموعُ الكلمةِ، كما تقول: الياءُ في "هذي" للتأنيثِ. وحكمُها في القُرْبِ والبُعْدِ والتوسط ودخولِ هاءِ التنبيه وكاف الخطاب حكمُ "ذا" وقد تقدَّم. ويُقال فيها: أيضاً: تَيْكَ وتَيْلَكَ وتِلْكَ وتالِك، قال الشاعر:
٣٧٠- تعلَّمْ أنَّ بعدَ الغَيِّ رُشْدا * وأنَّ لتالِكَ الغُمَرِ انْحِسَاراً
قال هشام: "ويقال: تافَعَلَتْ"، وأنشدوا:
٣٧١- خَليليَّ لولا ساكنُ الدارِ لم أُقِمْ * بتا الدارِ إلاَّ عابرَ سبيلٍ
(١/٢١٠)
---


الصفحة التالية
Icon