قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ الفاءُ هنا واضحةُ السببية. وقال المهدويُّ: "إذا جُعِلَ "فَأَزَلَّهما" بمعنَى زلَّ عن المكان كان قولُه تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ توكيداً، إذ قد يمكنُ أن يزولا عن مكانٍ كانا فيه إلى مكان آخرَ"، وهذا الذي قاله المهدوي أَشْبَهُ شيءٍ بالتأسيسِ لا التأكيدِ، لإفادتِهِ معنىً جديداً، قال ابن عطية: "وهنا محذوفٌ يَدُلُّ عليه الظاهرُ تقديرُهُ: فأكلا من الشجَرَةِ"، يعني بذلك أنَّ المحذوفَ يُقَدِّرُ قبلَ قولِهِ "فَأزَلَّهما".
و ﴿مِمَّا كَانَا﴾ متعلِّقٌ بأَخْرَجَ، و "ما" يجوزُ أن تكونَ موصولةً اسميةً وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، أي: من المكانِ أو النعيمِ الذي كانا فيه، أو من مكانٍ أو نعيمٍ كانا فيه، فالجملةُ مِنْ كان واسمِها وخبرِها لا محلَّ لها على الأولِ ومحلُّهَا الجرُّ على الثاني، و "مِنْ" لابتداءِ الغايةِ.
وقوله: "اهبِطوا" جملةٌ أمريةٌ في محلِّ نصبٍ بالفعلِ [قبلها]. وقُرئ: "اهبُطوا" بضم الباء وهو كثيرٌ في غيرِ المتعدِّي، وأمّا الماضي فهبَطَ بالفتحِ فقط، وجاء في مضارعِهِ اللغتان، والمصدرُ: الهُبوط بالضم، وهو النزولُ. وقيلَ: الانتقال مطلقاً. وقال المفضل: "الهبوطُ: الخروجُ من البلد، وهو أيضاً الدخةلُ فيها فهو من الأضداد". والضمير في "اهبطوا" الظاهرُ أنه لجماعةٍ، فقيل: لآدَمَ وحوَّاءَ والجنةِ وإبليسَ، [وقيلَ: لهما وللجنة[، وقيل: لهما وللوسوسةِ، وفيه بُعْدٌ. وقيل: لبني آدمَ وبني إبليس، وهذا وإنْ نُقِلَ عن مجاهد والحسن لا ينبغي أَنْ يُقالُ، لأنه لم يُوْلَدْ لهما في الجنة بالاتفاق. وقال الزمخشري: "إنه يعودُ لآدمَ وحواء، والمرادُ هما وذريتُهما، لأنهما لمَّا كانا أصلَ الإنسِ ومتشَعَّبَهم جُعِلاَ كأنهما الإنسُ كلُّهم، ويَدُلُّ عليه "قال اهبطوا منها جميعاً".
(١/٢١٤)
---


الصفحة التالية
Icon