قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ هذه جملةٌ من مبتدأْ وخبرٍ، وفيها قولان، أَصَحُّهما: أنَّها في محلِّ نصبٍ على الحالِ أي: اهبِطوا مُتعادِيْن. والثاني: أنها لا محلَّ لها لأنها استئنافُ إخبارٍ بالعَداوة. وأُفْرِدَ لفظُ "عدو" وإنْ كان المرادُ به جَمْهاً لأحدِ وجهَيْنِ: إمَّا اعتباراً بلفظِ "بعض" فإنه مفردٌا وإمَّا لأن "عَدُوَّاً" أشْبَهَ المصادرَ في الوزنِ كالقَبول ونحوِهِ. وقد صَرَّحَ أبو البقاء بأن بعضهم جعل عَدُوّاً مصدراً، قال في سورة النساء: "وقيلَ: عَدُوٌّ مصدرٌ كالقَبول والوَلوعِ فلذلك لم يُجْمَعْ"، وعبارةُ المصدرِ تقديرُهُ: ذوي عَداوة". [ونحوُه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيا﴾ وقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ واشتقاقُ العدوّ من عَدا يعدُو: إذا ظَلَمَ. وقيل: من عَدَا يعدُو إذا جاوَزَ الحقَّ، وهما متقاربان. وقيل: من عُدْوَتَي الجبل وهما طرفاه فاعتَبروا ُبُعْدَ ما بينهما، ويقال: عُدْوَةَ، وقد يُجْمَعُ على أَعْدَاء.].
واللامُ في "لِبعض" متعلقةٌ بـ "عَدُوّ" ومقوِّيةٌ له، ويجوزُ أن تكونَ في الأصلِ صفةً لـ "عدُوّ"، فلمَّا قُدِّمَ عليه انتصَبَ حالاً، فتتعلَّقُ اللامُ حينئذٍ بمحذوفٍ، وهذه الجملةُ الحاليةُ لا حاجةَ إلى ادِّعاءِ حَذْفِ واوِ الحالِ منها، لأنَّ الربطَ حَصَلَ بالضميرِ، وإن كان الأكثرُ في الجملةِ الاسميةِ الواقعةِ حالاً أن تقترنَ بالواوِ.
والبعضُ في الأصل مصدرُ بَعَضَ الشيءَ يَبعَضُه إذا قطعه فأُطْلِقَ على القطعةِ من الناسِ لأنها قطعةٌ منه، وهو يقابِلُ "كُلاًّ"، وحكمُهُ حكمُه في لُزومِ الإضافةِ معنىً وأنه مَعرفةٌ بنيَّةِ الإضافةِ فلا تَدْخُل عليه أل، وينتصِبُ عنه الحال. تقول: "مررت ببعضٍ جالساً" وله لفظٌ ومعنًى، وقد تقدَّم تقريرُ جميعِ ذلك في لفظِ "كُل".
(١/٢١٥)
---