قولُه تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ عَطْفٌ على ما قبلَه، ولا بُدَّ من تقديرِ جملةٍ قبلَها، فقالَها. والكلماتُ جمع كلمة، وهي اللفظُ الدالُّ على معنًى مفردٍ ويُطْلَقُ على الجمل المفيدةِ مجازاً تسميةً للكلِّ باسمِ الجُزِءِ كقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ﴾ ثم فَسَّر بقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ إلى آخره. وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ يريدُ قولَه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلى آخرِه، وقال لبيد:
٣٨٤- ألاَ كلُّ شيءٍ ما خَلاَ اللهَ باطلُ * وكلُّ نعيمٍ -لا مَحالةَ- زائلُ
فسمَّاه رسولُ الله ﷺ كلمةً، فقال: "أصدَقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيدٍ
". والتوبةُ: الرجوعُ، ومعنى وَصْفِ اللهِ تعالى بذلك أنه عبارةٌ عن العطفِ على عبادِه وإنقاذِهم من العذابِ، ووصفُ العبدِ بها ظاهرٌ لأنه يَرْجع عن المصيبةِ إلى الطاعةِ، والتَّوابُ الرحيمُ صفتا مبالغةٍ، ولا يختصَّان بالباري تعالى. قال تعالى: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ ولا يُطْلَقُ عليه "تائب" وإن صُرِّحَ بفعلِه مُسْنَداً إليه تعالى، وقُدِّم عليه "تائب" وإن صُرِّحَ بفعلِه مُسْنَداً إليه تعالى، وقُدِّم التوابُ على الرحيمِ لمناسبةِ "فَتَاب عليه" ولأنه موافقٌ لخَتْم الفواصلِ بالرحيم.
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ نظير قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وأدغم أبو عمرو هاء "إنه" في هاء "هو". واعتُرِض على هذا بأن بين المِثْلَيْنِ ما يمنع [من] الإدغام وهو الواوُ، وأُجيب بأنَّ الواوَ صلةٌ زائدةٌ لا يُعْتَدُّ بها بدليلِ سقوطِها في قوله:
٣٨٥- لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّه صوتُ حادٍ * إذا طَلَبَ الوسِيقَةَ أو زَمِيرُ
وقوله:
٣٨٦- أو مُعْبَرُ الظهرِ يُنْبي عن وَلِيَّته * ما حَجَّ في الدنيا ولا اعْتَمَرا
والمشهورُ قراءةُ: "إنَّه" بكسر إنَّ، وقُرئ بفتحَها على تقديرِ لامِ العلة.
(١/٢١٩)
---