* ﴿ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
قولُه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ﴾ إنما كرَّر قولِه: "قُلْنا" لأنَّ الهبوطَيْنِ مختلفان باعتبارِ متعلَّقَيْهما، فالهبوطُ الأول [عَلَّق به العداوةَ، والثاني علَّقَ به إتيانَ الهدى. وقيل: "لأنَّ الهبوطَ الأول] من الجنةِ إلى السماءِ، والثاني من السماءِ إلى الأرض". واستَعْبَدَه بعضُهم لأجلِ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. وقال ابن عطيةِ: "وحكى النقاش أن الهبوطَ الثاني إنما هو من الجنة إلى السماءِ، والأَوْلَى في ترتيبِ الآيةِ إنما هو إلى الأرضِ وهو الأخيرُ في الوقوعِ". انتهى، وقيل: كُرِّر على سبيلِ التأكيدِ نحو قولِك: قُمْ قُمْ، والضمير في "منها" يَعُودُ على الجنةِ أو السماء.
قوله: "جميعاً" حالٌ من فاعلِ "اهبِطوا" أي: مجتمعِين: إمَّا في زمانٍ واحدٍ أو في أزمنةٍ متفرقة لأنَّ المرادَ الاشتراكُ في أصلِ الفعل، وهذا [هو] الفرقُ بين: جاؤوا جميعاً، وجاؤوا معاً، فإن قولَك "معاً" يستلزمُ مجيئهم جميعاً في زمنٍ واحدٍ لِما دَلَّتْ عليه "مع" مِن الاصطحاب، بِخلاف "جميعاً" فإنها لا تفيدُ إلا أنه لم يتخلَّفْ احدٌ منهمْ عن المجئِ، من غيرِ تعرُّضٍ لاتحادِ الزمانِ. وقد جَرَتْ هذه المسألةُ بين ثعلب وغيره، فلم يعرِفْها ذاك الرجلُ فأفادها له ثعلب.
(١/٢٢٠)
---