و "جميع" في الأصل من ألفاظِ التوكيد، نحو: "كُل"، وبعضُهم عَدَّها معها. وقال ابنُ عطية: "وجميعاً حالٌ من الضميرِ في "اهبِطوا" وليس بمصدرٍ ولا اسمِ فاعل، ولكنه عِوَضٌ منهما دالٌّ عليهما، كأنه قال: "هبوطاً جميعاً أو هابطين جميعاً" كأنه يعني أنَّ الحالَ في الحقيقةِ محذوفٌ، وأنَّ "جميعاً" تأكيدٌ له، إلا أنَّ تقديرَه بالمصدرِ يَنْفي جَعْلَه حالاً إلا بتأويلٍ لا حاجةَ إليه. وقال بعضُهُم: التقديرُ: قُلْنا اهبِطوا نجتمِعِين فهبطوا جميعاً، فَحُذِفَ الحالُ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه، وحُذِفَ العاملُ من الثاني لدلالةِ الأولِ عليه، وهذا تكلُّفٌ لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ.
قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِع﴾... الآية. الفاءُ مُرَتَّبَةٌ معقِّبةٌ. و "إمَّا" أصلُها: إن الشرطيةُ زيدَتْ عليها "ما" تأكيداً، و "يأتينَّكم" في محلِّ جزمٍ بالشرطِ، لأنه بُني لاتصالِه بنونِ التوكيدِ. وقيل: بل هو مُعْرَبٌ مطلقاً. وقيل: مبنيٌّ مطلقاً. والصحيح: التفصيلُ: إنْ باشَرَتْه كهذه الآيةِ بُني، وإلاَّ أُعْرِبَ، نحو: هل يقومانِّ؟ وبُني على الفتحِ طلباً للخفَّة، وقيل: بل بُني على السكونِ وحُرِّكَ بالفتحِ لالتقاءِ الساكنينِ. وذهب الزجاج والبردُ إلى أن الفعلَ الواقعَ بعد إن الشرطية المؤكِّدة بـ "ما" يجب تأكيدُه بالنون، قالا: ولذلك لم يَأْتِ التنزيلُ إلا عليه. وذهب سيبويه إلى أنه جائزٌ لا واجبٌ، لكثرةِ ما جاءَ به منه في الشعر غيرَ مؤكَّد، فكثرةُ مجيئِه غيرض مؤكَّدٍ يدلُّ على عَدَمِ الوجوبِ، فمِنْ ذلك قولُه:
٣٨٧- فإمَّا تَرَيْني كابنةِ الرَّمْلِ ضاحياً * على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أَتَنَعَّلُ
وقولُ الآخر:
٣٨٩- زَعَمَتْ تُماضِرُ إمَّا أَمُتْ * يَسْدُدْ أُبَيْنُوها الأَصاغِرُ خُلَّتي
وقول الآخر:
٣٩٠- فإمَّا تَرَيْني ولِي لِمَّةٌ * فإنَّ الحوادثَ أَوْدَى بِها
وقولُ الآخر:
(١/٢٢١)
---


الصفحة التالية
Icon