قوله: ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ اذكروا فعلٌ وفاعلٌ، ونعمتي مفعولٌ، وقال ابن الأنباري: "لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ تقديرُه: شُكْرَ نِعْمتي. والذِّكر والذُّكر بكسرِ الذال وضَمِّها بمعنىً واحدٍ، ويكونان باللسانِ وبالجَنانِ. وقال الكسائي: "هو بالكسر للِّسان وبالضمّ للقلب" فضدُّ المكسور: الصمتُ، وضدُّ المضمومِ: النِّسيان، وفي الجملةِ فالذكرُ الذي محلُّه القلبُ ضدُّه النسيانُ، والذي محلُّه اللسانُ ضِدُّه الصمتُ، سواءً قيل: إنهما بمعنىً واحدٍ أم لا.
والنِّعْمَةُ: اسمٌ لِما يُنْعَمُ به وهي شبيهةٌ بفِعْلٍ بمعنى مَفْعول نحو: ذِبْح ورِعْي، والمرادُ بها الجمعُ لأنها اسمُ جنسٍ، قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ و ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ صفتُها والعائدُ محذوفٌ. فإنْ قيل: مِنْ شرطِ حَذْفِ عائدِ الموصولِ إذا كان مجروراً أن يُجَرَّ المصوولُ بمثلِ ذلك الحرفِ وأَنْ يَتَّحِدَ متعلِّقُهما، وهنَا قد فُقِد الشرطان، فإنَّ الأصلَ: التي أنعمتُ بها، فالجوابُ أنه إنما حُذِف بعد أَنْ صار منصوباً بحَذْفِ حَرْفِ الجرِّ اتساعاً فبقي: أنعمتُها، وهو نظيرُ: ﴿كَالَّذِي خَاضُوااْ﴾ في أحدِ الأوجه، وسياتي تحقيقُه إنْ شاء الله تعالى.
و "عَليكُمْ" متعلِّقٌ به، وأتى بـ "على" دلالةً على شمولِ النعمةِ لهم.
قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيا﴾ هذه جملةٌ أمريةٌ عطْفٌ على الأمريَّةِ قبلَها، ويقال: أَوْفَى وَوَفَى وَوَفَّى مشدَّداً ومخففاً، ثلاثُ لغاتٍ بمعنىً، قال الشاعر:
٤٠٤- أمَّا ابنُ طَوْقٍ فقد أَوْفَى بذِمَّتِه * كما وَفَى بقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها
(١/٢٣١)
---


الصفحة التالية
Icon