واعلم أَنَّ "أَوَّل" أَفْعَلُ تفضيلٍ، وأَفْعَلُ التفضيلِ إذا أُضيفَ إلى نكرةٍ كان مفرداً مذكراً مطلقاً. ثم النكرةُ المضافُ إيلها أَفْعل: إمَّا أن تكونَ جامدةً أو مشتقةً، فإنْ كانَتْ جامدةً طابقَتْ ما قبلها نحو: الزيدان أفضلُ رجلَيْن، الزيدون أفضلُ رجال، الهنداتُ أفضلُ نسوةٍ. وأجاز المبردُ إفرادَها مطلقاً ورَدَّ عليه النَّحْويون. وإن كانَتْ مستقةً فالجمهورُ أيضاً على وجوبِ المطابقةِ نحو: "الزيدُون أفضلُ ذاهبين وأكرمُ قادمين"، وأجازَ بعضُهم المطابقةَ وعدَمَها، أنشد الفراء:
٤٠٧- وإذا هُمُ طَعِمُوا فَالأَمُ طاعِمٍ * وإذا هُمُ جاعوا فَشَرُّ جِياعِ
فَأَفْرَدَ في الأولِ طابَقَ في الثاني. ومنه عندَهم: ﴿وَلاَ تَكُونُوااْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
إذا تقرَّر هذا فكان ينبغي على قولِ الجمهور أن يُجْمع "كافر"، فأجابوا عن ذلك بأوجهٍ: أَجْوَدُها: أَنَّ أَفْعَل في الآية وفي البيتِ مضافٌ لاسمٍ مفردٍ مُفْهَمٍ للجمع حُذِفَ وبَقيتْ صفتُه قائمةً مَقامَه، فجاءت النكرةُ المضافُ إليها أفْعَل مفردةٍ اعتباراً بذلك الموصوف المحذوف، والتقديرُ: ولا تكونوا أولَ فريقٍ -أو فوجٍ- كافرٍ، وكذا: فَالأمُ فريقٍ طاعمٍ، وقيل: لأنه في تأويل: أوَّلَ مَنْ كفر به، وقيل: لأنه في معنى: لا يكُنْ كلُّ واحدٍ منكم أولَ كافرٍ، كقولِك: كساناً حُلَّةً أي: كلَّ واحدٍ منا، ولا مفهومَ لهذهِ الصفةِ هنا فلا يُراد: ولا تكونوا اولَ كافرٍ بل آخرَ كافر. ولمَّا اعتقدَ بعضُهم أنَّ لها مفهوماً احتاجَ إلى تأويل جَعْلِ "أول" زائداً، قال: تقديرُه ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بشيء، وقدَّره بعضُهم بأَنَّ ثمَّ معطوفاً محذوفاً تقديرُه: ولا تكونوا أولَ كافرٍ به ولا آخرَ كافرٍ، ونصَّ على الأول لأنه أَفْحَشُ للابتداءِ به، وهو نظيرُ قولِه:
٤٠٨- مِنْ اُناسٍ ليسَ في أَخْلاقِهِمْ عاجلُ * الفُحْشِ ولا سوءُ الجَزَعْ
(١/٢٣٦)
---