قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ في محلِّ نَصْبٍ على الحال، وعاملُها: إمَّا تَلْبِسوا أو تَكْتُموا، إلاَّ أنَّ عَمَل "تكتموا" اَوْلَى لوجهين، أحدُهما: أنه أقربُ. والثاني: أنَّ كُتْمانَ الحقِّ مع العلمِ به أَبْلَغُ ذمَّاً، وفيه نوعُ مقابلةٍ. ولا يجوزُ أن تكونَ المسألةُ من بابِ الإعمال، لأنه يَسْتدعي الإضمارَ، ولا يجوزُ إضمارُ الحال، لأنه لا يكونُ إلا نكرةً، ولذلك مَنَعوا الإخبارَ عنه بالذي. فإن قيل: تكونُ المسألةُ من باب الإعمال على معنى أنَّا حَذَفْنَا من الأولِ ما أثبتناه في الثاني من غيرِ إشمارٍ، حتى لا يَلْزَمَ المحذورُ المذكورُ والتقديرُ: ولا تَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ وأنتم تعلمون، ولا تَكْتُموا الحقَّ وأنتم تَعْلَمون. فالجوابُ أنَّ هذا لا يُقال فيه إعمالٌ، لأنَّ الإعمالَ يَسْتَدْعي أإن يُضْمَرَ في المهمل ثم يُحْذَفَ. وأجاز ابن عطية إلاَّ تكونَ هذه الجملةُ حالاً فإنه قال: "ويُحْتمل أن تكونَ شهادةً عليهم بِعِلْمِ حقٍّ مخصوصٍ في أمرِ محمدٍ عليه السلام، ولم يَشْهَدْ لهم بالعلمِ [على الإطلاق]، فعلى هذا لا تكونُ الجملةُ في موضعِ الحال" وفيما قاله نظرٌ.
وقُرئ شاذاً: "وَتَكْتُمونَ" بالرفع، وخَرَّجوها على أنها حالٌ. وهذا غيرُ صحيحٍ لأنه مضارعٌ مُثْبَتٌ، فمِن حَقِّه الاَّ يقترنَ بالواوِ، وما وَرَد من ذلك فهو مؤولٌ مبتدأ قبلَه قَولِهم: "قُمْتُ وأَصُكُّ عينَه"، وقولِ الآخر:
٤١٩- فَلَمَّا خَشِيْتُ أظافيرَهُم * نَجَوْتُ وأَرْهُنُهُمْ مالِكَا
(١/٢٤١)
---


الصفحة التالية
Icon