قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ إنَّ واسمها وخبرُها، والضميرُ في "إنها" قيل: يعودُ على الصلاة وإنْ تقدَّم شيئان، لأنها أغلبُ منه وأهمُّ، وهو نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوااْ إِلَيْهَا﴾ أعاد الضمير على التجارةِ لأنها أهمُّ وأَغْلَبُ، كذا قيل، وفيه نظرٌ، لأنَّ العطف بـ "أو" فيجبُ الإِفرادُ، لكنَّ المرادَ أنه ذَكَر الأهمَّ من الشيئين فهو نظيرُها من هذه الجهةِ. وقيل: يعودُ على الاستعانةِ المفهومةِ من الفعلِ نحو: ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾ وقيل: على العِبادةِ المدلولِ عليها بالصبرِ والصلاةِ، وقيل: هو عائدٌ على الصبرِ والصلاةِ، وإنْ كان بلفظِ المفردِ، وهذا ليسَ بشيء. وقيل: حُذِفَ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه، وتقديرُه: وإنه لكبيرٌ، نحو قوله:
٤٢٩- إنَّ شَرْخَ الشبابِ والشِّعْرَ الأسْ * وَدَ ما لم يُعاصَ كان جُنوناً
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ استثناءٌ مفرَّعٌ، وجازَ ذلك وإن كانَ الكلامُ مُثْبَتاً لأنه في قوةِ المنفيِّ، أي: لا تَسْهُل ولا تَخِفُّ إلاَّ على هؤلاء، فـ "على الخاشعين" متعلِّقٌ بـ "كبيرة" نحو: وأصلُه اللِّيْنُ والسُّهولة، ومنه "الخُشْعَةُ" للرَّمْلَةِ المتطامنةِ، وفي الحديث: "كانَتْ خُشْعَةً على الماءِ ثم دُحِيَتْ بعدُ" أي: كانت الأرضُ لينةً، وقال النابغة:
٤٣٠- رَمادٌ ككُحْلِ العَيْنِ لأْيَا أُبِينُه * ونُؤْيٌ كجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خاشِعُ
أي: عليه أثرُ الذلَّ، وفَرَّق بعضُهم بين الخضوع والخُشوع، فقال: الخُضُوع في البدنِ خاصةً، والخُشُوع في البدنِ والصوت والبصر فهو أعمُّ منه.
* ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾
(١/٢٤٦)
---


الصفحة التالية
Icon