قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾.. "بكم" الظاهرُ أنَّ الباءَ على بابها من كونِها داخلةً على الآلةِ فكأنه فَرَق بهم كما يُفْرَقُ بين الشيئين بما توسَّط بينهما. وقال أبو البقاء: "ويجوز أن تمون المُعَدِّيةَ كقولِك: ذهبتُ بزيدٍ، فيكونُ التقدير: أَفْرَقْناكم البحرَ، ويكونُ بمعنى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ﴾ وهذا قريبٌ من الأولِ. ويحوزُ أن تكونَ الباءُ للسبيَّة أي: بسببكم، ويجوزُ أن تكونَ للحالِ من "البحر" أَيْ: فَرَقْنا ملتبِساً بكم، ونظَّره الزمخشري بقولِ الشاعر:
٤٥٤-.......................... * تَدُوس بنا الجماجِمَ والتَّريبا
أي: تدوسُها ونحن راكبوها. قال أبو البقاء: "أي: فَرَقْنا البحر وأنتم به، فتكونُ إمَّا حالاً مقدَّرةً أو مقارنةً". قلت: وأيُّ حاجةٍ إلى جَعْلِه إياها حالاً مقدَّرة وهو لم يكنْ مفروقاً إلا بهم كونِهم سالكينَ فيه؟ وقال أيضاً: و "بكم" في موضعِ نصبٍ ثانٍ لفَرَقْنا، و "البحرَ" مفعولٌ أولُ، والباءُ هنا في معنى اللام" وفيه نظرٌ؛ لأنه على تقديرِ تسليم كون الباءِ بمعنى اللام فتكونُ لام العلَّةِ، والمجرورُ بلام العلةِ لا يُقال إنَّه مفعولٌ ثانٍ، لو قلتَ: ضَرَبْتُ زيداً لأجلِك، لا يقولُ النحوي: "ضَرَبَ" يتعدَّى لاثنين إلى أحدهما بنفسه والآخر بحرفِ الجر.
والفَرْقُ والفَلْقُ واحدٌ، وهو الفصلُ والتمييز، ومنه ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ [أي: فَصَلْناه] وميَّزناه بالبيانِ، والقرآنُ فرقانٌ لتمييزه بين الحقِّ والباطل وفَرْقُ الرأسِ لوضوحِه، والبحرُ أصله: الشِّقُّ الواسعُ، ومنه: لشَقِّ أذُنها. والخلافُ المتقدِّمُ في النهر في كونِه حقيقةً في الماء أو في الأخدُودِ جارٍ هنا فَلْيُلْتَفَتْ إليه. وهل يُطْلَقُ على العَذْبِ بَحْرٌ، أو هو مختصٌّ بالماءِ المِلْحِ؟ خلافٌ ياتي تحقيقُه في موضِعِه. ويقال: أَبْحَرَ الماءُ أي: صار مِلْحاً قال نُصَيْب:
(١/٢٦١)
---


الصفحة التالية
Icon