الوجه الثاني من الأوجه السابقة: أنها عاملةٌ عملَ "إنَّ" يعني أنها نافيةٌ للجنسِ فيكون "حينَ مناص" اسمَها، وخبرُها مقدر تقديرُه: ولات حينَ مناصٍ لهم، كقولك: لا غلامَ سفرٍ لك، واسمها معربٌ لكونِه مضافاً.
الثالث: أنَّ بعدها فعلاً مقدراً ناصباً لـ "حين مَناص" بعدها أي: لات أَرى حينَ مَناصٍ لهم بمعنى: لستُ أرى ذلك ومثلُه: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾ ولا أهلاً ولا سهلاً أي: لا أَتَوْا مَرْحباً، ولا لَقُوا أهلاً، ولا وَطِئوا سهلاً. وهذان الوجهان ذهب إليهما الأخفش وهما ضعيفان. وليس إضمارُ الفعلِ هنا نظيرَ إضماره في قوله:
٣٨٤٠- ألا رَجُلاً جَزاه اللَّهُ خيراً *.............................
لضرورةِ أنَّ اسمَها المفردَ النكرةَ مبنيٌّ على الفتح، فلمَّا رأينا هذا معرباً قدَّرْنا له فعلاً خلافاً للزجاج، فإنه يُجَوِّزُ تنوينَه في الضرورة، ويدَّعي أن فتحتَه للإِعراب، وإنما حُذِف التنوينُ للتخفيفِ ويَسْتَدِلُّ بالبيتِ المذكور وتقدَّم تحقيقُ هذا.
الرابع: أن "لات" هذه ليسَتْ هي "لا" مُزاداً فيها تاءُ التأنيث، وإنما هي: "ليس" فأُبْدلت السينُ تاءً، وقد أُبْدِلت منها في مواضعَ قالوا: النات يريدون: الناس. ومنه "سِتٌّ" وأصله سِدْس. قال:
٣٨٤١- يا قاتلَ اللَّهُ بني السَّعْلاتِ * عمرَو بنَ يَرْبُوعٍ شرارَ الناتِ
لَيْسوا بأخيارٍ ولا أَكْياتِ
وقُرِئ شاذاً ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاتِ﴾ إلى آخره. يريد: شرارَ الناسِ ولا أكياسِ، فأبْدل. ولَمَّا أبدل السينَ تاءً خاف من التباسها بحرفِ التمني فقلب الياءَ ألفاً فبقيَتْ "لات" وهو من الاكتفاء بحرف العلةِ؛ لأنَّ حرف العلة لا يُبْدل ألفاً إلاَّ بشروطٍ منها: أن يتحرَّكَ، وأَنْ ينفتحَ ما قبله، فيكون "حينَ مناص" خبرَها، والاسمُ محذوفٌ على ما تقدَّم، والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعيةِ.
(١٢/٢٣٣)
---