وأصلُ الحَيْض السَّيَلانُ والانفجار، يُقال: حاضَ السيلُ وفاضَ، قال الفراء: "حاضَت الشَجرةُ أي: سالَ صَمْغُها"، قال الأزهري: "ومن هذا قيل للحوضِ: حَيْضٌ، لأنَّ الماءَ يسيل إليه" والعربُ تُدْخِلُ الواو على الياءِ، والياءَ على الواو، لأنهما من حَيَّز واحدٍ وهو الهواء. والظاهرُ أن المحيض في هذه الآية يُراد به المصدرُ وإليه ذهب الزمخشري وابن عطية، قال ابن عطية: "والمحيضُ مصدرٌ كالحيضِ، ومثله: "المقيل" مِنْ قال يَقيل، قال الراعي:
٩٥٢ - بُنِيَتْ مَرافِقُهُنَّ فوقَ مَزَلَّة * لا يَسْتَطِيعُ بها القُرادُ مَقيلا
وأنشد لرؤبة:
٩٥٣ - إليك أشكوا شدَّة المعيشِ * ومَرَّ أعوامٍ نَتَفْنَ ريشي
وقيل: المَحيضُ في الآية المرادُ به اسمُ موضعِ الدم وعلى هذا فهو مقيسٌ اتِّفاقاً، ويؤيِّد الأول قولُه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. وقد يجاب عنه بأنَّ ثَمَّ حذفَ مضافٍ أي: هو ذو أذىً، ويؤيِّدُ الثانيَ قولُه: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. ومَنْ حَمَلَه على المصدر قَدَّر هنا حذف مضافٍ أي: فاعتزلوا وَطْءَ النساءِ في زمانِ الحَيْضِ، ويجوزُ أن يكونَ المحيضُ الأولُ مصدراً والثاني مكاناً.
وقوله: ﴿هُوَ أَذَى﴾ فيه وجهان: أحدُهما قالَه أبو البقاء: "أن يكونَ ضميرَ الوطءِ الممنوعِ" وكأنه يقول: إن السياقَ يَدُلُّ عليه وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ. الثاني: أن يعودَ على المحيض، قال أبو البقاء: "ويكون التقديرُ: "هو سببُ أذىً"، وفيه نظرٌ، فإنَّهم فَسَّروا الأذى هنا بالشيء القذِرِ، فإذا أَرَدْنا بالمحيضِ نَفْسَ الدمِ كانَ شيئاً مُسْتَقْذَراً فلا حاجة إلى تقديرِ حذفِ مضافٍ.
(٢/٣٩٥)
---