فمن مظاهر اجتهاده الأولى:
١- تحريك اللسان بالقرآن قبل فراغ جبريل - عليه السلام - منه: وهو ظاهر آية سورة طه ﴿... وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ... ﴾ "طه/١١٤"، وآيات سورة القيامة ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ "القيامة/١٦" فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملَك في قراءته، ولهذا قال - عز وجل - ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ كما قال ﴿ وَلا تَعْجَلْ... ﴾ " (١).
وهذه الحركة تأخذ طابع العجلة لاستذكار السابق ودراك اللاحق، وفي رواية لحديث ابن عباس - رضي الله عنه - في المعالجة: (كان رسول الله إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره.. الحديث (٢)، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن: كان يحرك به لسانه يتذكره فقيل له: إنا سنحفظه عليك (٣)، وللطبري من طريق الشعبي:
(كان إذا نزل عليه عجل يتكلم به من حبه إياه) (٤).
وظاهر أنه كان يتكلم بما يلقي إليه منه أولاً فأولاً من شدة حبه إياه، وخوفه من تفلته، فأمر أن يتأنى إلى أن ينقضي النزول (٥).
٢- دراسته بحيث يشق عليه (وهذا أعم من السابق)كما قال الضحاك:"السبب أنه كان - ﷺ - يخاف أن ينسى القرآن، فكان يدرسه متى غلب ذلك عليه وشق فنزلت" (٦).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير ٤/٤٥٠، مرجع سابق، وقد بحثت عن هذا النص بلفظه في مظانه من كتب الحديث فلم أجده، والألفاظ الأخرى تدل على معناه، وانظر فتح الباري ١/ ٣٠، مرجع سابق.
(٣) تفسير الطبري ٢٨/١٨٨، مرجع سابق، وانظر: فتح الباري ٨/٦٨٢، مرجع سابق.
(٤) انظر: حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل.
(٥) انظر: فتح الباري ٨/٦٣٨، مرجع سابق.
(٦) البحر المحيط ٨ /٣٨٧، مرجع سابق.