سبب المعاناة: كان النبي - ﷺ - يعاني عند إنزال القرآن عليه، وتلقيه له من صوت الملَك من مشكلة استيعاب قواه البشرية للفظه؛ إذ يخاف من ضعفها مع عظم المُنْزل، فيتعجل أخذه من الملَك متلقياً إياه بلسانه وشفتيه (١)، لا لصعوبة حفظه؛ إذ هو من قوم اشتهروا بالحافظة المدهشة حتى أقاموها مقام الكتابة، وإنما كان سبب المعاناة متمثلاً فيما يلي:
١) علمه أنه قد كُلِّفَ في حدود ما تطيقه قواه البشرية؛ إذ تلك من أساسات الشريعة، وتحديد مقدار هذه الطاقة عائدٌ إلى مراقبة العبد لربه الذي يعلم السر وأخفى، ولذا فالنبي - ﷺ - يستنفر -عند نزول الوحي عليه- جميع قواه خوفاً من التقصير، وهذا واضح عند تحليل النص للوهلة الأولى.
٢) إشفاقه من أن يعتريه القصور البشري، فينفلت بعض القرآن منه، خاصة أنه لا يعلم الغيب - ﷺ -، ولا يدري كمية المنزل من حيث القلة والكثرة.
٣) حبه للقرآن الكريم، ولا تنافي بينه وبين السابق إذ الحب مولد الإشفاق.

(١) وفيه دليل على وجوب حفظ القرآن على النبي - ﷺ - إذ لو كان يريد حفظ المعنى لما احتاج لبذل هذا الجهد، كما أن فيه دليلاً على أن القرآن ليس بإلهام.


الصفحة التالية
Icon