ولا تنافي بين هذه التأويلات؛ إذ يصبح المعنى عند الجمع بين الوارد فيها: فإذا أنزلناه فبيناه، بأن قرأه عليه الملَك مجموعاً مؤلفاً فاستمع له وأنصت، فإذا انتهت قراءة جبريل - عليه السلام - فاقرأ أنت، ثم اتبع ما فيه من حلال، واجتنب ما فيه من حرام... فكانت ألفاظ التفسير مختلفة بحسب بدايات نزول القرآن ونهاياته؛ إذ البدء يكون بنزول الملَك، ثم التبيين بقراءة الملَك أيضاً، وهو مستدعٍ لإنصات النبي - ﷺ -، ثم تكون مرحلة قراءة النبي - ﷺ -، ثم مرحلة العمل به... فقد اتفقت في حقيقتها (١)، ويدل لهذا أن ابن عباس - رضي الله عنه - فسر قوله تعالى ﴿ أنزلناها ﴾ "النور/١"، كما روى عنه البخاري: بيناها (٢)، وقال ابن حجر:"كذا في النسخ، والصواب (أنزلناها وفرضناها) بيناها" (٣)، فجعل معنى بيناها لفرضناها لا لأنزلناها، وهو غريبٌ من حيث أنه صرح بأن النسخ اجتمعت على أن بيناها معنى لأنزلناها، فكان النظر داعياً إلى التأمل في المناسبة بينهما قبل صرفه بادئ الرأي إلى معنى آخر، وقد ظهرت للباحث مناسبة معنى الإنزال للبيان من خلال تأويل ابن عباس - رضي الله عنه - لقوله ﴿ قَرَأْنَاهُ ﴾ بأنه أنزلناه تارة، وبمعنى بيناه تارة أخرى، فقد جعل ابن عباس - رضي الله عنه - البيان لازم الإنزال، وما أحسن ذاك بالنظر إلى الذات الإلهية، فتخطئة النسخ جميعاً عارض يفتقد القرينة فنبقى على الأصل.
؟؟ ﴿ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ (٤) : ورد فيها أربعة معانٍ:

(١) وهذا التأويل للآيات هو الموافق لتأويل ابن عباس - رضي الله عنه - كما سبق. وقد قال عنه صاحب التحرير والتنوير ٢٩/٣٤٩، مرجع سابق: "هذا ما لا خلاف فيه بين أهل الحديث وأئمة التفسير".
(٢) صحيح البخاري ٤/١٧٧٠، مرجع سابق.
(٣) فتح الباري ٨/٤٣٣، مرجع سابق.
(٤) روح المعاني٢٩/٢٤٤، مرجع سابق.


الصفحة التالية
Icon