وثاني فائدة تؤخذ من هذه الآيات مما يتعلق باللفظ: أن الحفظ للألفاظ مقدم على استلهام المعنى وبيانه (١)، وهي القاعدة المستنتجة من قوله - عز وجل - ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾، فليس المعنى سابقاً للحفظ، والمراد ليس إيجاد المعنى إذ هو قبل اللفظ في حيز العدم والخفاء، وليس المراد استحضاره في الذهن، وهو يدل من جهةٍ أخرى على أهمية ضبط اللفظ، لا على ما زُعِمَ من أن المعاني الأولية هي المقصودة بقطع النظر عن قالبها، وهي ما سمي أصولياً بالمعاني الثانوية (٢)، ثم كانت هذه التسمية، وذا التقسيم سبباً في التهوين من الجانب اللفظي للكلمات... وبذا استبان غرور من ادعى سبق الاهتمام بالمعنى، وقد يُسَّلم في أن المعنى يسبق اللفظ من حيث الوجود النفسي، ولكن الكلام هنا عن معنى موجود في الخارج عُبّر عنه بلفظٍ... فأنّى له أن يُعرف دون عبور ممره الموصل إليه وهو اللفظ؟، وهذا هو حال ألفاظ القرآن الكريم؛ إذ لا يُعرف المعنى الذي يُريده الله - سبحانه وتعالى - في كلامه إلا بمعرفة لفظه، ولفظه هو - سبحانه وتعالى - لا لفظ غيره، وهذا على القول بأن ﴿ ثُمَّ ﴾ في قوله - سبحانه وتعالى - ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ للتراخي الزمني، إما على القول بأنها للتراخي الرتبي... فلا تنخرم القاعدة كلياً لكنها تعدل بحيث يقيد بيان المعنى بملازمة إتقان اللفظ إذ هو طريقه.
ولعل هذا المعنى هو الذي يسوغ تعليم الصبيان ألفاظ القرآن، وتحفيظهم إياها، وإن لم يتقنوا معناها.
(٢) واستنتج البعض هذا من فهم خاطئ لكلام الإمام الشاطبي في الموافقات ٢/ ٦٦، مرجع سابق، فإنه إنما مهد بكلامه ذاك عن مسألة الترجمة للقرآن.