وهذه المعاني كلها تجتمع في تلقي النبي - ﷺ - ألفاظ القرآن الكريم من جبريل - عليه السلام -، فهو إلقاء وتلقٍ محسوسين، بين جهتين اعتمدتا القول، حال كونهما حاضري القلب، يعتمد الأخذ بينهما على القول لا غيره من أنواع الإيحاء، مطبقَينِ في ذلك ضوابط العملية التعليمية والتعلُّمية.
ويظهر ذلك بيناً بلا خفاء عند الجمع بين الوصف العام لأخذ النبي - ﷺ - ألفاظ القرآن الكريم من جبريل - عليه السلام - بأنه تعلم كما في قوله - سبحانه وتعالى - ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ "النجم/٥"، وبين الوصف الخاص لذلك بأنه تلقٍ كما في قوله - عز وجل - ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ "النمل/٦".
ولا بد من التأكيد على ملاحظة بارزة في العرف القرآني لدلالة الإلقاء والتلقي، هي أن الإلقاء لم يستعمل في العرف القرآني إلا للأمر المحسوس، وهذا يعطي التصور الأولي لمفهوم إلقاء ألفاظ القرآن من جبريل - عليه السلام - للنبي - ﷺ -، فتذهب الظنون العلمية التي تنافي ذلك في مكانها من التوهمات المحضة.
التلقي في الوضع الاصطلاحي: هو عبارة عن الهيئة المنهجية الشرعية لتعليم الألفاظ القرآنية بأن يقرأ الشيخ الآية، ويتلقاها الطالب عنه بسمعه وفؤاده، فالتلقي بهذا هو العملية المكملة لعملية التلقين إذ التلقين من الشيخ، والتلقي من الطالب، كما قال البخاري -رحمه الله تعالى-:" قال معمر (١) :﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ "النمل/٦" أي يلقى عليك وتلقاه أنت أي تأخذه عنهم، ومثله ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ... ﴾ "البقرة/٣٧" (٢).
(٢) صحيح البخاري ٦/ ٢٧٢١، مرجع سابق.