ويلاحظ أن المدلول اللغوي للوحي يوضح طبيعته: فلا تراه عين غير الموحى إليه، ولا تسمعه أذن غيره كذلك... ويمكن أن يُدرك ببساطة أن المدلول اللغوي للوحي يشير إلى أن ثم نوعاً منه لا تسمعه الأذن المعتادة، ولا العين المعتادة، ويصل إلى مركز الإبصار، ومركز السمع مباشرة، ويمكن التعبير عنه من خلال المعاني السابقة للوحي بالقول: التفهيم والإعلام بالتصويت شيئاً بعد شيء، ولذا لما أراد جبريل - عليه السلام - أن يستعلن للناس كان لا بد من تمثله بصورة البشر، بخلاف الصورة الأشد للوحي، فإنه لا يستعلن، بل يكون خفياً، ولكنه محسوس للنبي - ﷺ -، والصحابة إنما يرون آثاره –كما سبق-... فلذا قال - ﷺ - :( هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم) فلما أراد جبريل - عليه السلام - أن يعلمهم كان لا بد من أن يتمثل لهم بشراً تدرك عيونهم صورته، وتدرك أسماعهم صوته كما تقدم في الفصل الثاني مفصلاً.
... وليس تعليم جبريل - عليه السلام - الرسول - ﷺ - بالتصويت شيئاً بعد شيء مسألة فرعية، بل هي مسألة من مسائل الأصول، يذكرها العلماء في كتب العقائد، فقد جاء في العقيدة الطحاوية عند قول الإمام الطحاوي-رحمه الله تعالى-: "نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين" قال الشارح: "تصريحٌ بتعليم جبرائيل إياه إبطالاً لتوهم القرامطة وغيرهم أنه تصوره في نفسه إلهاماً" (١).
ومن أدلة كون الوحي القرآني تلقيناً:
١- قوله - سبحانه وتعالى - :﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ "النمل/٦".
٢- قوله - عز وجل - :﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ "القيامة/١٨"؛ ففيها الأمر بالاستماع والانصات؛ إذ الاستماع والإنصات للملًك ينافي الإلهام الذي يقع في النفس دون استماع لأحد، ويُنظر المبحث السابق في معنى الآية.