المحرر الوجيز، ج ٣، ص : ٣٥
قوله عز وجل :
[سورة التوبة (٩) : آية ٤٠]
إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
هذا أيضا شرط وجواب والجواب في الفاء من قوله فَقَدْ وفيما بعدها، قال النقاش : هذه أول آية نزلت من سورة براءة، ومعنى الآية أنكم إن تركتم نصره فاللّه متكفل به، إذ فقد نصره في موضع القلة والانفراد وكثرة العدو، فنصره إياه اليوم أحرى منه حينئذ، وقوله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يريد فعلوا من الأفاعيل ما أدى إلى خروجه، وأسند الإخراج إليهم إذ المقصود تذنيبهم، ولما كان مقصد أبي سفيان بن الحارث الفخر في قوله : من طردت كل مطرد. لم يقرره النبي صلى اللّه عليه وسلم، والإشارة إلى خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان ينتظر أمر اللّه عز وجل في الهجرة من مكة، وكان أبو بكر حين ترك ذمة ابن الدغنة قد أراد الخروج من مكة فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «اصبر فلعل اللّه أن يسهل في الصحبة»، فلما أذن اللّه لرسوله في الخروج تجهز من دار أبي بكر وخرجا فبقيا في الغار الذي في جبل ثور في غربي مكة ثلاث ليال، وخرج المشركون في أثرهم حتى انتهوا إلى الغار فطمس عليهم الأثر، وقال أبو بكر للنبي صلى اللّه عليه وسلم : لو نظر أحدهم لقدمه لرآنا، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما.
ويروى أن العنكبوت نسجت على باب الغار، ويروى أن الحمامة عششت عند باب الغار، ويروى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر أبا بكر أن يجعل ثماما في باب الغار فتخيله المشركون نابتا وصرفهم اللّه عنه، ووقع في الدلائل في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه نبتت على باب الغار راءة أمرها اللّه بذلك في الحين، قال الأصمعي : جمعها راء وهي نبات من السهل.
وروي أن أبا بكر لما دخل الغار خرق رداءه فسدّ به كواء الغار لئلا يكون فيها حيوان يؤذي النبي صلى اللّه عليه وسلم.
وروي أنه بقيت واحدة فسدها برجله فوقى اللّه تعالى، وكان يروح عليهما باللبن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وقوله ثانِيَ اثْنَيْنِ معناه أحد اثنين، وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة فإذا اختلف اللفظ فقلت رابع ثلاثة فالمعنى صير الثلاثة بنفسه أربعة، وقرأ جمهور الناس «ثاني اثنين» بنصب الياء من «ثاني». قال أبو حاتم : لا يعرف غير هذا وقرأت فرقة «ثاني اثنين» بسكون الياء من ثاني، قال أبو الفتح : حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهه أنه سكن الياء تشبيها لها بالألف.