المحرر الوجيز، ج ٣، ص : ٧٨
لبابة والجماعة التائبة التي ربطت أنفسها وهي المقصودة بقوله خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً جاءت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما تيب عليها فقالت يا رسول اللّه إنّا نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر من اللّه فتركهم حتى نزلت هذه الآية فهم المراد بها، فروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ ثلث أموالهم مراعاة لقوله تعالى : مِنْ أَمْوالِهِمْ، فهذا هو الذي تظاهرت به أقوال المتأولين، ابن عباس رضي اللّه عنه وغيره، وقالت جماعة من الفقهاء : المراد بهذه الزكاة المفروضة، فقوله على هذا خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ. ضميره لجميع الناس، وهو عموم يراد به الخصوص إذ يخرج من الأموال الأنواع التي لا زكاة فيها كالثياب والرباع ونحوه، والضمير الذي في أَمْوالِهِمْ أيضا كذلك عموم يراد به خصوص، إذ يخرج منه العبيد وسواهم، وقوله صَدَقَةً مجمل يحتاج إلى تفسير، وهذا يقتضي أن الإمام يتولى أخذ الصدقات وينظر فيها، ومِنْ في هذه الآية للتبعيض، هذا أقوى وجوهها، وقوله تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها أحسن ما يحتمل أن تكون هذه الأفعال مسندة إلى ضمير النبي صلى اللّه عليه وسلم، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من الضمير في خُذْ، ويحتمل أن تكون من صفة «الصدقة»، وهذا مترجح بحسب رفع الفعل ويكون قوله بِها أي بنفسها أي يقع تطهيرهم من ذنوبهم بها، ويحتمل أن يكون تُطَهِّرُهُمْ صفة «للصدقة»، وَتُزَكِّيهِمْ مسندا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، ويحتمل أن يكون حالا من «الصدقة»، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة، وحكى مكي أن يكون تُطَهِّرُهُمْ من صفة الصدقة، وقوله وَتُزَكِّيهِمْ بِها حالا من الضمير في خُذْ.
قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود لمكان واو العطف لأن ذلك يتقدر خذ من أموالهم صدقة مطهرة ومزكيا بها، وهذا فاسد المعنى، ولو لم يكن في الكلام واو العطف جاز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «تطهرهم» بسكون الطاء، وقوله وَصَلِّ عَلَيْهِمْ معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكونا لأنفسهم وطمأنينة ووقارا، فهذه عبارة عن صلاح المعتقد، وحكى مكي والنحاس وغيرهما أنه قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التوبة : ٨٤].
قال القاضي أبو محمد : وهذا وهم بعيد، وذلك أن تلك في المنافقين الذين لهم حكم الكافرين، وهذه في التائبين من التخلف الذين لهم حكم المؤمنين فلا تناسخ بين الآيتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ونافع وابن عامر «إن صلواتك» بالجمع، وكذلك في هود وفي المؤمنين وقرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي «ان صلاتك» بالإفراد، وكذلك قرأ حمزة والكسائي في هود وفي المؤمنين، وقرأ عاصم في المؤمنين وحدها جمعا، ولم يختلفوا في سورة الأنعام وسأل سائل، وهو مصدر أفردته فرقة وجمعته فرقة، وقوله سَمِيعٌ لدعائك عَلِيمٌ أي بمن يهدي ويتوب عليه وغير ذلك مما تقتضيه هاتان الصفتان، وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نزلت هذه الآية فعل ما أمر به من الدعاء والاستغفار لهم، قال ابن عباس سَكَنٌ لَهُمْ رحمه لهم، وقال قتادة سَكَنٌ لَهُمْ أي وقار لهم.
قال القاضي أبو محمد : وإنما معناه أن من يدعو له النبي صلى اللّه عليه وسلم فإنه تطيب نفسه ويقوى رجاؤه، ويروى أنه قد صحت وسيلته إلى اللّه تعالى وهذا بين.