معاني القرآن، ج ١، ص : ١٧١
رَسُولَ اللَّهِ» «١» وإذا نصبت أردت : ولكن كان رسول اللّه، وإذا رفعت أخبرت، فكفاك الخبر مما قبله. وقوله :«وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ» «٢» رفع وهو أوجه من النصب، لأنه لو نصب لكان على : ولكن احسبهم أحياء فطرح الشكّ من هذا الموضع أجود. ولو كان نصبا كان صوابا كما تقول :
لا تظننه كاذبا، بل اظننه صادقا. وقال اللّه تبارك وتعالى :«أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ» «٣» إن شئت جعلت نصب قادرين من هذا التأويل، كأنه فى مثله من الكلام قول القائل : أتحسب أن لن أزورك؟ بل سريعا إن شاء اللّه، كأنه قال : بلى فاحسبنى زائرك. وإن كان الفعل قد وقع على (أن لن نجمع) فإنه فى التأويل واقع على الأسماء. وأنشدنى بعض «٤» بنى فقعس :
أجدّك لن ترى بثعيلبات ولا بيدان ناجية ذمولا
و لا متدارك والشمس طفل ببعض نواشغ الوادي حمولا
فقال : ولا متدارك، فدلّ ذلك على أنه أراد ما أنت براء بثعيلبات كذا ولا بمتدارك.
وقد يقول بعض النحويّين : إنا نصبنا (قادرين) على أنها صرفت «٥» عن نقدر، وليس ذلك بشىء، ولكنه قد يكون فيه وجه آخر سوى ما فسّرت لك : يكون خارجا «٦» من (نجمع) كأنه فى الكلام قول القائل : أتحسب أن لن أضربك؟ بلى قادرا على قتلك، كأنه قال : بلى أضربك قادرا على أكثر من ضربك.
(٢) آية ١٦٩ سورة آل عمران.
(٣) آية ٤ سورة القيامة.
(٤) الشعر للمرّار بن سعيد. وثعيلبات وبيدان موضعان. والناجية : الناقة السريعة. ونواشغ الوادي أعاليه. والحمول الهوادج، والإبل عليها الهوادج. وانظر الخصائص ١/ ٣٨٨ طبعة الدار.
(٥) يريد أن الأصل : بلى نقدر، ثم حوّل (نقدر) إلى (قادرين) وقوله :«و ليس ذلك بشى ء» لأنه لا وجه لنصب قادرين على هذا الوجه.
(٦) يريد أنه حال من فاعل (نجمع) المقدرة بعد (بلى).