﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم﴾ وإنما أخرجه من ظهر آدم؟ أجيب: بأن الله تعالى أخرج ذرّية آدم بعضهم من ظهور بعض على ما يتوالدون فالأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره، فالمخرج من ظهورهم مخرج من ظهره.
وقوله: ﴿شهدنا﴾ أي: على أنفسنا بذلك وإنما أشهدهم على أنفسهم كراهة ﴿أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا﴾ التوحيد ﴿غافلين﴾ أي: لعدم الأدلة، فلذلك أشركنا، وقوله تعالى:
﴿أو يقولوا﴾ أي: لو لم ترسل إليهم الرسل، عطف على ﴿أن يقولوا﴾، وقرأ أبو عمرو بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب ﴿إنما أشرك آباؤنا من قبل﴾ أي: قبل أن نوجد ﴿وكنا ذرّية من بعدهم﴾ أي: فلم نعرف لنا مربياً غيرهم، فكنا لهم تبعاً فشغلنا اتباعهم عن النظر، ولم يأتنا رسول منبه، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في قولهم: ﴿أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ أي: من آبائنا، قال أبو حيان: والمعنى أنّ الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمن العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان: إحداهما: كنا غافلين، والأخرى: كنا تبعاً لأسلافنا، فكيف والذنب إنما هو لمن طرّق لنا وأضلنا، انتهى.
فإن قيل: كيف يكون ذكر الميثاق عليهم حجة فإنهم لما أخرجوا من ظهر آدم ركب فيهم العقل، وأخذ عليهم الميثاق، فلما أعيدوا إلى صلبه بطل ما ركب فيهم فتوالدوا ناسين لذلك الميثاق؟ أجيب: بأن التذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس، وبذلك قامت الحجة عليهم يوم القيامة لإخبار الرسل إياهم بذلك الميثاق في الدنيا، فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد، ولزمتهم الحجة، ولا تسقط الحجة بنسيانهم وعدم حفظهم بعد إخبار الصادق صاحب الشرع والمعجزات الباهرات.
(١٥/٤٦٧)


الصفحة التالية
Icon