روي أنه ﷺ صعد على الصفا فدعاهم فخذاً فخذاً يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله تعالى فقال قائلهم: إنّ صاحبكم لمجنون بات يهوّت إلى الصباح، فنزلت، ومعنى: يهوّت: يصوّت، يقال: هيت به وهوت به أي: صاح قاله الجوهريّ، وإنما نسبوه إلى الجنون وهو بريء منه؛ لأنه ﷺ خالفهم في الأقوال والأفعال؛ لأنه كان معرضاً عن الدنيا ولذاتها مقبلاً على الآخرة ونعيمها مشتغلاً بالدعاء إلى الله تعالى وإنذارهم بأسه ونقمته ليلاً ونهاراً من غير ملال ولا ضجر، فعند ذلك نسبوه إلى الجنون، فبرّأه الله تعالى من الجنون بقوله تعالى: ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو إلا نذير مبين﴾ أي: بين الإنذار بحيث لا يخفى على ناظر ﴿أولم ينظروا﴾ أي: نظر اعتبار واستدلال ﴿في ملكوت السموات والأرض﴾ أي: ملكهما البالغ ﴿وما﴾ أي: وفيما ﴿خلق الله من شيء﴾ أي: غيرهما مما يقع عليه الشيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها ليدل لهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها؛ ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه، وقوله تعالى: ﴿وأن عسى أن يكون قد اقترب﴾ أي: دنا ﴿أجلهم﴾ عطف على ملكوت، وأن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن وكذا اسم يكون ولا يصح أن تكون أن مصدرية خلافاً للبيضاوي قال التفتازانيّ: لأنّ المصدرية لا تدخل الأفعال غير المتصرّفة التي لا مصادر لها، والمعنى أولم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها، فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب، فلعل أجلهم قد اقترب فيموتوا على الكفر قبل أن يؤمنوا فيصيروا إلى النار، فيجب على العاقل المبادرة إلى التفكر والاعتبار والنظر المؤدي إلى الفوز والنعيم الدائم ﴿فبأيّ حديث﴾ أي: كتاب ﴿بعده﴾ أي: الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ ﴿يؤمنون﴾ أي: يصدّقون، وليس بعد محمد ﷺ نبيّ ولا بعد كتابه كتاب؛ لأنه خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم