فإن قيل: قد حكى الله تعالى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته، وحكى عن قوم يونس أنهم آمنوا وقبل توبتهم، فما الفرق بين الحالين؟ أجيب: بأنّ فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب وهو وقت اليأس من الحياة، أمّا قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك، فإنهم لما ظهرت أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن ينزل بهم ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية، وإنّ الله تعالى قد علم صدق نياتهم في التوبة فقبل توبتهم بخلاف فرعون فإنه لم يصدق في إيمانه ولا أخلص فلم يقبل منه. قال الله تعالى:
﴿ولو شاء ربك﴾ يا محمد ﴿لآمن﴾ بك وصدّقك ﴿من في الأرض كلهم﴾ بحيث لم يشذ منهم أحد ﴿جميعاً﴾ أي: مجتمعين على ذلك في آن واحد لا يختلفون في شيء منه ولكن لم يشأ أن يصدّقك ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في الأزل، وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ فإنه كان حريصاً على إيمانهم كلهم، فأخبر الله تعالى أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له السعادة الأزلية فلا تتعب نفسك على إيمانهم. وهو قوله تعالى: ﴿أفأنت تكره الناس﴾ أي: الذين لم يرد الله إيمانهم ﴿حتى يكونوا مؤمنين﴾ أي: ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه وتحرص عليه، إنما إيمان المؤمن وإضلال الكافر بمشيئة الله تعالى وقضائه وليس لأحد ذلك سواه. كما قال تعالى: ﴿وما كان﴾ أي: وما ينبغي وما يتأتى ﴿لنفس﴾ أي: واحدة فما فوقها ﴿أن تؤمن﴾ أي: يقع منها إيمان في وقت مّا ﴿إلا بإذن الله﴾ أي: بإرادته لها بالإيمان، فإنّ هدايتها إلى الله فهو المهدي والمضل.
(٣/٩٣)


الصفحة التالية
Icon