﴿ولما فصلت العير﴾ من عريش مصر وهو آخر بلاد مصر إلى أوّل بلاد الشأم ﴿قال أبوهم﴾ لولد ولده ومن حوله من أهله مؤكداً لعلمه أنهم ينكرون قوله: ﴿إني لأجد ريح يوسف﴾ أوصلته إليه ريح الصبا بإذن الله تعالى من مسيرة ثلاثة أيام أو ثمانية أو أكثر، قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.
قال أهل المعاني: إنّ الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند انقضاء مدّة المحنة ومجيء وقت الفرج من المكان البعيد، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدّة ثمانين سنة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل، ومعنى ﴿أجد ريح يوسف﴾ أشم وعبر بالوجود؛ لأنه وجدان له بحاسة الشم ﴿لولا أن تفندون﴾، أي: تنسبوني إلى الخرف.
قال أبو بكر الأنباري: أفند الرجل إذا خرف وتغير عقله. وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو مفند. قال في «الكشاف»: يقال: شيخ مفنّد ولا يقال: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأى حتى تفند في كبرها، وقيل: التفنيد الإفساد يقال: فندت فلاناً إذا أفسدت رأيه ورددته قال بعضهم:
*يا صاحبيّ دعا لومي وتفنيدي
... فليس ما فات من أمر بمردود
ولما ذكر يعقوب عليه السلام ذلك
(٣/٣٢٢)


الصفحة التالية
Icon