وقال سعيد بن جبير: كان النبيّ ﷺ يستلم الحجر الأسود فمنعه قريش وقالوا: لا ندعك حتى تلمّ بآلهتنا وتمسها فحدّث ﷺ نفسه ما عليّ أن أفعل ذلك والله يعلم أني لها لكاره بعد أن يدعوني حتى استلم الحجر فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي أنّ قريشاً قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك فنزلت: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾. ﴿عن الذي أوحينا إليك﴾ من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا ﴿لتفتري﴾ أي: لتقول ﴿علينا غيره﴾ أي: ما لم نقله ﴿وإذاً﴾ أي: لو ملت إلى ما دعوك إليه ﴿لاتخذوك﴾ أي: بغاية الرغبة ﴿خليلاً﴾ أي: لوالوك وصافوك وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراض بشركهم ومن يكن خليل الكفار لم يكن خليل الله تعالى، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت أمر الله واستمروا على عماهم إتماماً لتفضيلنا لك على كل مخلوق.
﴿ولولا أن ثبتناك﴾ أي: على الحق بعصمتنا إياك ﴿لقد كدت﴾ أي: قاربت ﴿تركن﴾ أي: تميل ﴿إليهم﴾ أي: إلى الأعداء ﴿شيئاً﴾ أي: ركونا ﴿قليلاً﴾ لمحبتك في هدايتهم وحرصك على منفعتهم ولكنا عصمناك فمنعناك أن تقرب من الركون فضلاً من أن تركن إليهم لأنّ كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره تقول لولا زيد لهلك عمرو ومعناه أنّ وجود زيد منع من حصول الهلاك لعمرو فكذلك ههنا قوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم﴾ معناه لولا حصل تثبيت الله لمحمد ﷺ فكان تثبيت الله مانعاً من حصول قرب الركون وهذا صريح في أنه عليه الصلاة والسلام ما همّ بإجابتهم مع قوّة الداعي إليها ودليل على أنّ العصمة بتوفيق الله وحفظه.
(٤/٢٦٦)


الصفحة التالية
Icon